المشروع الأبدي: ما هو؟ وهل يمكن أن يغيّر حياتك فعلًا؟ [2]

مشروعك الأبدي

كنا قد قررنا -سويّة- تأجيل متعة اكتشاف الجوانب العملية لإيجاد مشروع أبدي والعمل عليه، وها نحن ذا!
تذكير: مشروعك الأبدي هو مشروع يمكنك -تمامًا كما يوحي اسمه- أن تعمل عليه إلى الأبد. حيث تركز فيه على موضوع غير محصور بمدة، وباستطاعتك استكشافه لفترة طويلة دون نفاد تحدياته. ويُتيح مشروعك الأبدي الفرصة أمامك لتنمو بطرق لا توفرها لك حياتك “التقليدية”

إذًا، كيف تبدأ مشروعك الأبدي؟

اختيار الموضوع

أهم جانب في اختيار مشروعك الأبدي التركيز على موضوع لا هدف. إذا كان مشروعك الأبدي هو إنشاء تطبيق لربط الركاب الفقراء-ممن يبحثون عن رحلات مجانية- بسائقين متطوعين (أوبر مجاني!)، فأظنك لم تفهم المقصد. لأنك حددت هدفًا محددًا، مما يعني إبطال منطقية المشروع الأبدي.
(هذا لا يعني أنه لا ينبغي عليك قضاء وقتك في القيام بذلك. وإنما فقط أنه لا يجب أن تتوقع الحصول على فوائد المشروع الأبدي من بناء ذاك التطبيق).

للتوضيح:

“صنع كرسي هزاز خشبي” هو مشروع أبدي سيئ.

“تعلم النجارة” هو مشروع أبدي جيد.

سأتحدث أكثر بعد قليل عمّا يجعل الموضوع جيدًا، لكن أولًا أود الاستفاضة حول التحدي المتمثل في منح نفسك موضوعًا بدلاً من هدف.

إذا لم يسبق أن التحقت بمدرسة ثانوية من قبل، فقد تتخيل أن التحدي الأكبر هو صعوبة المادة أو إتقان أعلى مستويات المعرفة البشرية في بعض المجالات. لكن في الواقع، فإن معظم طلاب السنة الثانوية الأخيرة يتعاملون جيدًا مع الواجبات المدرسية الفعلي، فبعد كل شيء، لن يفلح المرء في الانتقال للجامعة ما لم يكن ذكيًا وموهوبًا في موضوع ما. لذا تتوقع منهم أن يكونوا جيدين في ذلك. التحدي الحقيقي هو شيء مختلف تمامًا.

أعظم اختلاف بين التعليم العالي والثانوي يكمن في (التوجيّه): كطالب في الثانوية (أو الجامعة)، يوجه الأستاذ دراستك (“اقرأ الفصل الرابع بحلول الخميس”) ويوفر إطارًا لتطبيق معرفتك (“أثبت نظرية 4.1 باستخدام طريقة تيرنر“). أما كطالب دراسات عليا، سيتوجب عليك تحديد مسارك الخاص. فأنت تقرر ما تدرسه، وكيف تدرسه، وكيف تطبّق تلك المعرفة الجديدة بطريقة مثيرة للاهتمام.

يعد هذا -بالنسبة للعديد من طلاب الدراسات العليا- حجر عثرة. فهم رائعون في الدراسة وحل المسائل عندما يخبرهم شخص آخر بما يجب عليهم فعله، لكنهم عاجزون عن توجيه أنفسهم بشكل فعال. ليكونوا ناجحين، عليهم أن يتعلموا استقاء التوجيه -الذي اعتادوا تلقيه عبر طرف خارجي- من دواخلهم. هذه مهارة يصعب إتقانها، وربما تكون السبب الأكبر لفشلهم.

وعلى غرار الدراسة الجامعية، يقوم مشروعك الأبدي -في جوهره- على مجهودك الذاتي. هو أمرٌ ستفعله تحت إشرافك ولمصلحتك. لا يمكنك الاعتماد على أي شخص آخر ليخبرك بما عليك فعله، أو لمساعدتك في معرفة كيفية فعله، أو لتشجيعك عندما تشعر بالعجز. لذلك ستحتاج إلى ذات مهارات طالب الدراسات العليا لتحقيق النجاح. والمُفرح هنا أن هذا أسهل بكثير لمشروعك الأبدي منه لأُطروحتك (ولعدة أسباب).

في الدراسات العليا، لا تحظى بحرية الاختيار فيما تريد العمل عليه، وإنما عليك مطابقة موضوع أطروحتك مع مُشرِف، ولا يمكنك الكتابة في المكتوب (أو إعادة اختراع العجلة إن صح القول).. إلخ. ولكن في مشروعك الأبدي، بمقدورك اختيار ما تريد العمل عليه. لذا يمكنك اختيار شيء يحظى باهتمامك الشخصي، حتى لو كان موضوعًا مُستهلكًا للغاية ونُفّذ عشرين مرة من قبل!

أتحدث عن اختيار موضوع “يحظى باهتمامك الشخصي”، ولكن ماذا يعني ذلك أصلًا؟!

الاهتمام الشخصي هو شيء تجده رائعًا في حد ذاته، ولأسبابك الخاصة. لا شيئًا تؤمن أن عليك دراسته بعد قراءتك أحدث مقالة على رقيم حول كيفية الارتقاء في وظيفتك. شيء تشعر أنك مدفوع لاستكشافه بغض النظر عما إذا كان يحقق منفعة فورية أم لا.


قال لنا ويليام جلاس في ورشة للكتابة حضرتها له “لا أكتب لأنني أريد، أنا أكتب لأنني مضطر

لا بدّ أن ينتمي مشروعك الأبدي المثالي لهذا النوع من الموضوعات؛ أن يغدو أشبه بـ “حكّة لا يمكنك مقاومتها”.

إن لم تجد موضوعًا يُثير فضولك إلى هذا الحد، فلا بأس. ربما لست جاهزًا لبدء مشروع أبدي. لذا مارس نشاطات مختلفة حتى تجده. أو إن كان هناك موضوع يبدو مثيرًا للاهتمام نوعًا ما، فابدأ في استكشافه؛ عساه يصبح موضوعًا لمشروعك الأبدي. وحتى وإن لم يصبح كذلك، فستكون قد تعلمته على الأقل!

علاوة على كونه مثيرًا لاهتمامك بطبيعته، يجب أن يكون موضوع مشروعك الأبدي غير محدد المدة. بعد كل شيء، إذا كنت ستعمل على شيء ما إلى الأبد، فالأفضل أن يكون موضوعًا كبيرًا. لكن عندما أقول “موضوعًا كبيرًا” فلست أقصد موضوعًا يغير الحياة أو مصيري، وإنما: أن يوفر عديد الفرص لتعلم أشياء جديدة واستكشاف مسارات فريدة.

ثمّة -لأي موضوع- فرص لتعلم المهارات والمعرفة. وهو ما أسميه التعلم المباشر. تمتلك بعض الموضوعات فرص تعلم مباشرة أكثر من غيرها. على سبيل المثال، للعبة اليويو”yo-yo” بضعة فرص للتعلم المباشر. هناك تقنيات مختلفة لإتقانها، وطرق لترتيب تلك التقنيات في حيل. ولكن على النطاق العام لجميع الموضوعات الممكنة، فإن (اللعب باليويو) يوفر فرصًا محدودة. قارن اليويو بالنجارة (على سبيل المثال)، ستجد للأخير تقنيات أكثر لتعلمها، وطرق أوسع لتطبيق تلك التقنيات. إذًا، ومن الناحية المثالية، الأفضل اختيار النجارة عوضًا عن اللعب باليويو!

تشكل العديد من الحرف مشاريع أبدية جيدة، مع وفرة من فرص التعلم. والسبب أنها -أي الحرف- عمل يحتاج لمهارة. لممارسة حرفة ما، عليك تعلّم وإتقان المهارات وهذا “التعلم والممارسة” هو -بالضبط- الهدف من المشروع الأبدي. سبب آخر هو أن الحرف عمل إبداعي – من منطلق كونها تدفعك لـ”خلق” شيء ما. عندما تصنع شيئًا ما، ينصبّ اهتمامك على حل اللغز المتعلق بكيفية استخدام المهارات التي أتقنتها لإنشاء القطعة التي ترغب في صنعها. إذا كنت تعمل في صناعة الأخشاب وترغب في بناء طاولة نهاية [طاولة صغيرة يُستعان بها لملئ الفراغ بين الأريكة والجدار]، فعليك التفكير في المفصّلات التي ستستخدمها لبناء الهيكل، وكيف تصنع أجزاء الطاولة.. إلخ. قارن ذلك (على سبيل المثال) بممارسة اليوجا، حيث تستخدم مهاراتك لمتابعة توجيهات معلمك. في كلتا الحالتين، يجب عليك إتقان المهارات الصعبة، ولكن في الحالة الأولى أنت مُلزم بتطبيق هذه المهارات بشكل خلاق في حل المشكلات. وهذا مستوى إضافي للنمو الشخصي.

لوح التوازن (Balance Board)

أحيانًا يكمن الاختلاف بين موضوع المشروع الأبدي السيئ والجيد في السياق والمفهوم فحسب. قد لا تكون (أرجحة اليويو) مشروعًا أبديًا رائعًا بحد ذاتها، ولكن إذا كنت تعتقد أنها الخطوة الأولى لفنون السيرك مثلًا، فمن السهل رؤية كيف يمكنك مواصلة ذلك لفترة طويلة. وإذا كنت حقًا في حالة تأهب لتعلم اليويو كمشروع أبدي، فافعل ذلك! لكن اجعل نفسك منفتحًا على فرص التعلم غير المتوقعة على طول الطريق. إذا شعرت بالاهتمام حيال لوح التوازن (Balance Board) في لحظة ما، فلا تتجاهله بحجة “هو ليس yo-yo!”
تذكر: في المشروع الأبدي، التحرك للأمام هو المهم، وليس إلى أين يأخذك.

تتضمن المواضيع فرص تعلم غير المباشر أيضًا. الفرص غير المباشرة هي “رحلات جانبية” يمكن أن تأخذك في مسارات جديدة بعيدًا عن الموضوع الأصلي. على سبيل المثال، إذا كانت النجارة مشروعك الأبدي وصنعت كرسيًا، فربما تقرر أن تنسج مقعدة قشيّة له، وهذا يعني تعلم المهارات اللازمة للقيام بذلك.

يمكن أن يقودك ذلك للاهتمام بنسج سلال القش، وقد يظهر لك البائع في متجرالخيزران السلة التي صنعها، ليجعلك مهتمًا بتاريخ اصطياد الحيوانات!

أُسمي هذا التنقل بين الروابط إلى مواضيع جديدة: التعلم غير المباشر.

تضمّ بعض الموضوعات روابطًا أكثر من موضوعات أخرى. على سبيل المثال، إذا قررت تكويد برنامج للعب الشطرنج، فإن فرص التعلم غير المباشرة تكون محدودة. قد تغدو مهتمًا بتاريخ لعبة الشطرنج (أو الألعاب المماثلة)، أو طرق مختلفة لتكويد الألعاب، ولكن جميع هذه الموضوعات قريبة جدًا من لعبة الشطرنج. على العكس من ذلك، إذا قررت تكويد برنامج لرسم الخرائط، فلديك مجموعة واسعة من الموضوعات المتنوعة لاستكشافها: كيف تتشكل اليابسة، وكيف تُسمى الأشياء (ما الفرق بين التلّة والهضبة؟)، وكيف تُرسم الخرائط وما الذي يجعلها جميلة، وما إلى ذلك.
بعبارة أخرى، أنت بحاجة لاختيار موضوع أبدي يحتوي على الكثير من مصادر التشتيت المثيرة للاهتمام!

عمليًا، إذا كنت تعمل على شيء ما لفترة طويلة (حتى لو لم يكن ذلك إلى الأبد)، فستمر حتمًا في فترات “جمود” تشعر فيها بالملل من الموضوع. وتتيح لك مجموعة عوامل التشتيت الشيقة القيام بشيء آخر مثيرًا للاهتمام يزيد من نموك الشخصي.

يبدو أنني أطلت أكثر من اللازم😅، المشكلة أنني حتى هذه اللحظة لا أعلم إن كنت مهتمًا بالموضوع!🙄

لذا رجاءً أخبرني في التعليقات.😉

2 Replies to “المشروع الأبدي: ما هو؟ وهل يمكن أن يغيّر حياتك فعلًا؟ [2]”

  1. موضوع مثير للإهتمام و المعلومات أكثر
    شكرا على هذا الموضوع و هو بالمناسبة موضوع يحتاج لقراءات عدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.