اصطياد السعادة

السعادة على طريقة فيليب بريكمان [2]

أنهينا الجزء السابق مع سؤال: ما الذي ستعيش من أجله، إن لم تكن السعادة؟

التزاماتك فهي، وفقًا لبريكمان، الطريق الحقيقي للخلاص، والحل لوجود عبثي.
وأدرك أنها لن تمنح المتعة دائمًا؛ حتى أنها قد “تعارض وتتعارض مع الحرية أو السعادة”، كما ذكر في كتابه “Commitment, Conflict, and Caring” الذي نُشر بعد خمس سنوات من وفاته. ولكن من نواحٍ عديدة، كانت هذه خلاصته: كلما ضحينا في سبيل أمرٍ ما، زادت القيمة التي نمنحها إياه.

ثم عقّب:

“تتضمن السعادة التقبّل الحماسي وغير المتكافئ للأنشطة أو العلاقات التي ليست أفضل ما يمكن الحصول عليه.”

قال دان كوتس Dan Coates، أحد طلّاب بريكمان السابقين والمؤلف الثاني في دراسة اليانصيب (المذكورة في الجزء السابق) “أعتقد أن مقصد فِل كان: السعادة ليست ما يحافظ على حياتنا. بل التعاسة هي ما يحافظ علينا حقًا”.

وهي فكرة محررِة -بل ومثيرة- خاصة إذا شعرت أن السعادة بعيدة المنال، كما حدث مع بريكمان. تقول وورتمان: “أعتقد أنه شعر بوجود خطبٍ ما، لأنه حقق الكثير من النجاح الشخصي والمهني، ومع ذلك لم يكن مرتاحًا كما أمل”.

ثمّة مشكلة واحدة في نظرية بريكمان

يمكن للالتزامات أن تكون -هي الأخرى- متقلبة ومؤقتة. ربما تكون أقل تقلّبًا من ارتفاع الدوبامين عند نشر ورقة بحثية أو الوقوع في الحب. لكن -مع ذلك- لا يمكن التعويل عليها. فالعلاقات تنتهي، والأعمال تفشل. من المؤلم الاعتراف بذلك: لكن الروابط التي غالبًا ما اعتبرناها حبالًا، هي في الحقيقة “خيوط رقيقة”.

اعتاد (جيفري بيج Jeffery Paige) القول إنه يحسد عائلة بريكمان على حياتهم. فعلى السطح، وُجد الكثير مما يحسدون عليه: ثلاث فتيات رائعات، وزوجة جميلة، ومزرعة مثالية خارج آن أربور. لكن تحقيق تلك الصورة عن الصفاء الداخلي كان صعب المنال؛ إذ لم يأتِ بريكمان بالضبط من عائلة ملتزمة بطبيعتها. تقول أخته جولي، أن والده كان “لعوبًا” يزعزع استقرار الأسرة بمغامراته العاطفية خارج مؤسسة الزواج، وكان بريكمان صبيًا صغيرًا قلقًا عديم الثقة بنفسه.

وتُتابع: “حاول جاهدًا التغلب على أزمته، إذ اشترى مليون كتاب طريف ليتمكن من تعلم كيفية إلقاء النكات ليبدو ظريفًا ويسليّ مَن حوله”

لكن مع بلوغه السابعة عشر من عمره، ذهب بريكمان إلى هارفارد ووجد أخيرًا مَن يُشابهه، وعندما التحق بالجامعة، التقى بزوجته التي أُغرم بها تمامًا.

ثم ساءت الأمور، كما وضحت سلسلة رسائل كشف عنها (بنيامين روبرت فيجنر Benjamin Robert Wegner)، المعالج النفسي الذي أكمل مؤخرًا أطروحة حول بريكمان.
الأولى، من فِل إلى زوجته، عن ازدرائها علم النفس الاجتماعي:

“إذا كنتِ حقًا معادية ومحتقرة للمجال كما يبدو في بعض الأحيان، فهذا يعني أنك إما تريدين مني تغيير مجال عملي أو تتمنين لو كان لديك شريك حياة آخر بمجال عمل تكنيّن له المزيد من الاحترام”.

والرسالة الأخرى، من بريكمان إلى صديقه، حول مقدار التعالي الذي زعمت زوجته أنه يشعر به:

“جزء من عملي، وتحديدًا وصفه بعبارات فظة بالنسبة للعاملين فيه، كان ما منع زوجتي من الإحساس بالنقص”

وأضاف أنه اتخذ قرارات “جلد ذات” لفعل بذلك، بما في ذلك قطع علاقته بالأصدقاء الذين لاحظت ازدراءهم، وحتى إقصاء أخته وتقليل تواصله بوالديه.

لم تعد زوجة بريكمان حيّة لدحض هذا التفسير للأحداث. ماتت بمرض باركنسون عام 2017. لكن شقيقها الأصغر، (ريك شيفر Rick Schaeffer)، أكدّ أنها كانت لتنظر إلى تدهور زواجها بصورة مختلفة.

هل كان بريكمان زوجًا مخلصًا؟

ليس تمامًا. إذ ذكرت زوجته لشقيقها أنه (خانها) ذات مرة أثناء حضوره مؤتمر.

لكن المرأة كانت غريبة. وقد ثبت أن الهفوة، رغم كونها مؤلمة، يمكن التغلب عليها. يقول (شيفر) أن أكثر الأمور صعوبة أن بريكمان أصبح متطلبًا كثيرًا في نهاية زواجه. أدى الانتقال إلى مزرعة ميتشيغان وضغوطات وظيفته الجديدة رفيعة المستوى إلى تحطيمه؛ ما أدى إلى تلاشي روح الدعابة لديه، وغرقه بالقلق ، وجعله أكثر تطلبًا، وتصرفاته أكثر حدة. قضى معظم وقته في دراسته متجاهلاً الواجبات المنزلية القليلة التي كان يقوم بها.

ولأول مرة في حياته، بدا أن بريكمان يعاني من إحساس غير مألوف: الفشل.
قبل وفاته مباشرة، تقدم بطلب للحصول على منحة بحثية كبيرة؛ لم يحصل عليها. تطلب منصبه الجديد الكثير من البراعة الإدارية والتنظيمية التي لم يمتلكها. كان زملاؤه يوبخونه باستمرار.

في وقت ما خلال صيف عام 1981، طلبت زوجته الطلاق. يمكنك تخيّل وحدته ودمار نفسيته.

يقول طالبه دان كوتس: “كانت عائلته وعمله أكبر التزاماته، وبدا أن كلاهما ينهار أمامه”

سوّد بريكمان العديد من صفحات كتابه “Commitment, Conflict, and Caring” متحدثًا عن ألم الحياة الخالية من الالتزام، لا سيما في فصله الأخير بعنوان “الالتزام والصحة العقلية”. كان الفصل مزدحمًا، أخذًا شكل شذرات، وعندما بدأ كوتس في تجميعه لأول مرة -بعد وفاة بريكمان- أذهله مقدار اليأس الذي وجده في خربشات بريكمان.
اتفق كلاهما على أن فقدان التزاماتك هو مشكلة وجودية، تسلب الشخص توجّه وقيمة حياته. لكن، وبحسب كوتس، كان بريكمان يكتب دائمًا عن مدى الألم. “أعتقد أنني لم أختبر هذا المستوى من الألم”.

في النص النهائي، انتصر الألم؛ يتضمن الفصل القليل عن الانتحار.

انتقل بريكمان إلى شقة قاتمة وهجينة من غرفة نوم واحدة في (آن أربور). كانت إحدى سماتها البارزة: الملاحظات الصغيرة التي كان يسجلها في كل مكان “الأمثال أو الأقوال المأثورة أو النصائح النفسية لتشجيع لإسعاد نفسه أو الشعور بالرضا”، قالت جولي، أخته. “لقد كانت حزينة حقًا بالنسبة لي.”

وللحديث بقيّة..

الصبر مفتاح السعادة

ماذا كتبت أيضًا عن التحرر من المشاعر السلبية؟

🤖 هل بمقدور الكتابة شفاءنا من صدماتنا النفسية؟

🤖 ضريبة البقاء وحيدًا

🤖 المشاعر السلبية ليست سيئة دائمًا!

وهذا ما كتبه أصدقائي أيضًا:

👽 خمس طرق للتخلص من السلبية وتحقيق السلام الداخلي ~ فرصة

👽 ما معنى التحرر؟ وكيف أتحرر من المشاعر السلبية ~ منصة عصر السلام

👽 التحرر من المشاعر السلبية – الحرية النفسية ~ مدونة أعرف الحياة الآن

👽 من البهجة إلى الاكتئاب .. تعرّف على موقعك في سلم المشاعر ~ إيمان محمد

التشافي

التشافي بعد الأحداث المروعة [مقتطف من كتاب عبور اللهب]

يتعجب (آلان لوكوس – Allan Lokos) في هذا المقتطف من كتابه عبور اللهب – Through the Flames (الكتاب لمّا يُترجم) من سلسلة مشاعر اليأس والفرح ثم التشافي التي اختبرها مع زوجته، بعد أن نجا من حادث تحطم طائرة مروعة.


تُعرف المعجزة اصطلاحًا بأنها: “ظاهرة لا يمكن تفسيرها بالقوانين العلمية أو الطبيعية، وبالتالي غالبًا ما تُنسب إلى كيان مقدّس”. على سبيل المثال، أشعر بالراحة لمجرد الوقوف بخشوع أمام ما هو مذهل للغاية.
وفي اللحظة التي أصيب فيها جسدي بجروح بالغة، بدأ يشفى. فإن لم تكن تلك معجزة، فأنا لا أعلم ما قد تكون الأخيرة!

الامتنان. يا له من مقويّ جميل وعلاجي. لكنه -مثل أي خبرة بشرية أخرى- ليس ثابتًا. ففي غضون يومين من الحادثة، دخلت في أكثر فترات حياتي تدميراً ويأسًا. لم أكن لأصدق أن شخصًا إيجابيًا وسعيدًا مثلي يمكن أن يشعر بالبؤس واليأس. بدت أعماق اليأس بلا حدود وأيامه أبدية.

في صباح أول أيام عودتي للمنزل، اعتليت الميزان وعلمت أنني فقدت 25 رطلًا (~11 كغ). كان ذلك -بلا شك- نتيجة شهرين دون طعام حقيقي أو ممارسة الرياضة، إضافة إلى الضرر الذي أحدثته الحروق الشديدة.
حظيت سابقًا بقوامٍ جيد أما الآن فأنا هزيل بجسدٍ ضعيف. بالنسبة لمن يجدون ذلك مُغريًا، فاسمحوا لي بتأكيد أنني لا أوصي بهذا النوع من الحميات الغذائية “المحطمة”. لحسن الحظ، ما زلت أستمتع بالطعام، لكن استعادة الوزن الذي فقدته بطريقة صحية لم يحدث بسرعة. استغرقت استعادة الأرطال العشر الأولى ثمانية أشهر، وما زال أمامي الكثير.

أدركت -منذ اليوم الأول- أن (التشافي) على رأس أولوياتي، مهما تطلب الأمر. وبصراحة أكبر، كان علي أن أضع مصلحتي أولاً. بدت تلك وجهة نظر غريبة وأنانية، وأود تصديق أنها ليست طريقتي المعتادة في التفكير، لكن الواقع كان صارمًا وواضحًا. فإذا لم أتعافى، ستغدو حياتي بائسة ولن أُفيد أي شخص.

عانت زوجتي، سوزانا Susanna، من ألم شديد ناجم عن كسر في فقراتها. كان يجب عليها اتباع نفس نهجي في شفائها، لكن عجزي عن تلبية احتياجاتي اليومية الأساسية عنى أنها اضطراره لموازنة احتياجات كلينا.
كانت قادرة على الحركة، وباستثناء حمل الأشياء الثقيلة أو الإنحناء، تمكنت من عيش حياة طبيعية إلى حد ما، وإن كانت دعامة ثقيلة ومقيدة من الرقبة إلى الخصر تعيقها (توجّب عليها ارتداؤها طيلة اليوم).

كنت صاحب أكثر الإصابات الجسدية خطورة، ومثّل التعافي تحديًا على كافة المستويات (الجسدية والنفسية والعاطفية). عرفت ذلك، لكن لم يكن عندي فكرة عن مدى روعة الرحلة الفعلية.

تحدي التشافي الحقيقي

هو التحدي الأكبر الذي واجهه أي منا على الإطلاق، وكان من شأنه إثقال كاهل كلينا. رغبت في الاستلقاء طوال اليوم، ليس بسبب الإرهاق، رغم أن له دورًا بالتأكيد، ولكن بسبب ما يُعرف باسم “استجابة الثبات – Freeze mechanism”. جميعنا يعلم أن ثمّة أوقات تكون فيها خياراتنا هي القتال أو الهرب (أو ما يُعرف بـ استجابة الكرّ أو الفرّ/ The fight-or-flight response). وفي أحايين أخرى نجد أنفسنا (جامدين) وتلك هي استجابة الثبات.
ولم يكن هناك شيء أو شخص لأحاربه، باستنثاء نفسي.

لم يكن هذا حلمًا، ربما كابوسًا، لكنه لم يكن منامًا. كانت هذه حياتي الآن.

لم يكن ثمّة مكان لأفرّ إليه. كان الخيار الوحيد المتبقي هو (الثبات)، وذاك ما فعلته عبر الالتجاء إلى الفراش كثيرًا، راجيًا النوم. فعلت ذلك لمدة شهرين تقريبًا، ثم توقفت. لم يكن التوقف قرارًا اتخذته. وإنما كنت على استعداد للمضي قدمًا فحسب.

لم أعرف آنذاك مدى اقترابي من الموت. كنت لأتفكّر في ذلك لاحقًا. لذا، ولأكون صادقًا، لم أكن ممتلئًا بالامتنان. ورغم أنني تمكنت -في لحظة عرضية- من الشعور بمتع الحياة البسيطة، إلا أن أيامي كانت مشحونة بالألم والرهبة والخوف والقلق والرغبة المستمرة في استعادة حياتي.

شعرت وكأنني بلا حياة. تفكرت، وقلتها كثيرًا، “أريد استعادة حياتي”. بدا وكأن لا شيء يمكنني فعله لنفسي، وأدت كل محاولة لتغيير ذلك للمزيد من الألم والمعاناة. كانت يدي عديمة الفائدة، لم أستطع حمل شوكة أو فرشاة أسنان. أو الاغتسال وارتداء الملابس. يئست وبدت الحياة بلا معنى.

يمكننا ضمان المعاناة لأنفسنا عندما نتشبث بالرغبة في كون الأشياء مختلفة عما هي عليه. يمكننا تعريف المعاناة عمليًا بالقول إنها “التشبّث بتلك الرغبة”. الأشياء ليست مختلفة عما هي عليه. فهي كماهيّتها. والرغبة في تبدّل الأحوال لا تُشبه التصميم على إحداث ذاك التبدّل وبذل الجهد في سبيل ذلك.

عرفت -عبر سنوات من ممارسة الاستبطان Introspective– أن ما أختبره كان أفكارًا ومشاعر، وأن -تلك الأفكار والمشاعر- كانت قوية، وأحيانًا بشكلٍ ساحق. وكثيرًا ما استيقظت على اعتقاد (أو) أمل أنه كان مجرد حلم، وأنني عدت إلى حياتي الحقيقية. ثم أقف على ساقاي غير المستقرتين أو أحاول استخدام يداي المتضررتين وأدرك أن هذا لم يكن حلمًا، ربما كابوسًا، لكنه -في الواقع- ليس منامًا. وإنما حياتي.

ذات يوم، وفي لحظة يأس عميق، قالت سوزانا “الآن أستطيع رؤية أن هناك أشياء أسوأ من الموت. لقد ولّت حياتي الجميلة، فهذه الحياة مروعة. ليتنا متنا في الحادث”.
تفهمت ما شعرت به (رغم أنني لم أصل مطلقًا للحظة تمنيّ لو مُتّ).

كانت هذه أكثر فترات حياتي حزنًا وكآبة. إذ بدا ألا طريق للخروج من الكآبة. وربما كان هذا أسوأ ما في الأمر؛ الشعور بعدم وجود مخرج.
في الماضي، عندما مررت بأوقاتٍ صعبة، كنت قادرًا على إيجاد حل دومًا. لكن هذا مختلفٌ تمامًا. لقد أصبت بجروح خطيرة، وكنت أعيش مع العواقب. شعرت بالضعف والانكسار. كانت رؤيتي واسعة ومتفائلة عادة، وإذ بها تضيق فأعجز عن رؤية صورة أشمل. عشت برفقة سوزانا مع الألم الجسدي ومعاناة مشاهدة آلام بعضنا البعض. كانت تتألم وتذوي، ونادراً ما وجدت طريقة لمساعدة أي منّا. في كثير من الأحيان، كان أفضل ما استطعت قوله، في نهاية اليوم: “حسنًا، لقد نجونا ليوم آخر.” لم تبدو تلك إيجابيةً مني، ولكن في ظروف معينة، تعتبر النجاة انتصارًا.

وعلى غرار كل الظواهر، تتلاشى المشاعر.

بدا من الغريب أن تكون مثيرًا للأسى، وفي ذات الوقت، محظوظًا جدًا. شكّل وجودي على قيد الحياة وأن سوزانا كانت لا تزال قادرة على المشي معجزة في نظري. كان بمقدور جزء من الثانية، أو سنتيمتر واحد، أن يؤدي إلى نتيجة كارثية. أخبرنا أطبائنا أن إمكانية الشفاء، رغم بُعدها، موجودة، وقد أحدث ذلك فرقًا هائلاً.

اللحظة التي لن أنساها

منذ وقوع الحادث، ركزت على التشافي. وفي صباح يوم 14 نيسنا (أبريل)، عندما عدت للتدريس -بناءً على اقتراح من العديد من أعضاء مجلس إدارة CMC- في مركز التأمل المجتمعي، المنزل الروحي الذي أسسته عام 2008. دخلت المبنى من خلال باب جانبي لأضمن ألا يُحيطني الجمع. ولكن عندما قُدمت، سرت بسلاسة ونشاط إلى مقدمة الغرفة، ثم قفزت على المنصة، ليستقبلني الحشد الهائل بالوقوف، والهتاف، والحفاوة الشديدة. وكلما هتفوا أكثر، سالت دموعي. كانت لحظة لا توصف!

نحن معجبون بالناجين. وبحاجة إلى ناجين ممن تغلبوا على الصعاب. وكلما تغلبوا على مصاعب أكبر، أردنا رؤيتهم أكثر ولمسهم وسماع قصصهم. نحتاج لمعرفة قدراتنا الحقيقية. هذا ما كنت عليه في ذلك اليوم وبعده. لقد فعلتها و.. نجوت.

المصدر: After the Plane Crash

إن كنت تسعى لحياةٍ مختلفة، فهذه التدوينات ستساعدك:

🩹 كونك شخص رائع يحدده أسوء أيامك!

💊 هل بمقدورنا محاسبة الآخرين على مشاعرنا؟

🩹 ما تحتاج معرفته عن التشافي

💊 (دورة) التشافي الذاتي – نوف حكيم

فيليب بريكمان

السعادة على طريقة فيليب بريكمان [1]

منذ ما يربو عن 40 عامًا، نشر ثلاثة علماء نفس دراسة بعنوان غريب ومغرٍ نوعًا ما، “الفائزون في اليانصيب وضحايا الحوادث: هل السعادة نسبية؟” حتى لو ظننتَ أنك لا تعرفها، فلا أعتقد ذلك! فقد تسرّبت إلى محادثات تيد، وفقرات (مهارة حياتية) في البرامج الصباحية، وحتى حوارات الأفلام. باتت الورقة البحثية ملازمة لدراسات السعادة، وهي عنصر أساسي في أي مقرر يبحث في سيكولوجية تنمية الإنسان.

الدراسة بسيطة. فكما يوحي عنوانها، استطلع العلماء الفائزين باليانصيب وضحايا الحوادث، بالإضافة إلى مجموعة ضابطة*، بهدف مقارنة مستويات السعادة لديهم. لكن ما وجده الباحثون جاء مناقضًا للبديهة الشائعة. فالضحايا، رغم أنهم أقل سعادة من أفراد المجموعة الضابطة، ظلّوا يصفون سعادتهم (بأعلى من متوسطة)، على الرغم من أن حوادثهم تركتهم -جميعًا- مشلولين (جزئيًا أو رباعيًا). في حين لم يكن الفائزون باليانصيب أسعد من أفراد المجموعة الضابطة، على الأقل بأي معنى ذي دلالة إحصائية. وإن حدث شيء، فهو تهتّك الخيوط التي تربطهم بحياتهم اليومية. حيث انخفض مقدار رضاهم حيال المُتع الصغيرة (مثل التحدث إلى الأصدقاء والاستماع إلى النكات وتناول الإفطار) عن ذي قبل!

كانت هناك عيوب في الدراسة – فتصميمها، للأسف ، بدائي كفأس- لكن يمكنك أن ترى سبب شهرتها. كانت نتيجها شديدة الإغراء: المال لا يشتري السعادة! لكن ربما، وبصورة جوهرية، امتلكت مقدمة مثيرة وسخيفة تقريبًا. مَن العاقل الذي سيفكر في إقران الفائزين باليانصيب وضحايا الحوادث ضمن ورقة بحثية؟ ومن في علم النفس الأكاديمي يمتلك مخيلة غريبة كهذه؟ لقد كان علمًا اجتماعيًا على طريقة صامويل بيكيت.

إجابة هذه السؤال هي (فيليب بريكمان-Philip Brickman)، وهو عالم نفس سطع نجمه في جامعة نورث وسترن، وكان يبلغ من العمر 34 عامًا. كان شخصًا ودودًا، ثائر لا يمكن كبت جماحه، ذو حديثٍ آسر؛ كان عقله عبارة عن آلة لتوليد الأفكار.
وعلى عكس الكثير من أقرانه، لم يكن مهتمًا بالإدراك وإنما بالمشاعر والعواطف: كيف نتغلب على الشدائد؟ كيف نهتم بالآخرين؛ كيف نصوَغ الالتزامات، ونتغلب على الصراعات الداخلية، ونكتشف المعنى والسعادة في هذه الحياة القصيرة؟

قال عنه أقرب أصدقائه، (جيفري بيج-Jeffery Paige):

“لقد أراد فيليب أن يكون العالم مكانًا أكثر إنسانية”.

لذلك بالنسبة لبريكمان، فالتوصل إلى دراسة كهذه منطقي تمامًا. فهي غير اعتيادية وإنسانيًا وقبل كل شيء وثيقة الصلة بحياتنا اليومية: هل يُشعرنا المال بالرضا؟ وهل يُسبب الأذى الجسدي غير قابل للعلاج أذى نفسيًا لا يمكن علاجه أيضًا؟ هل يمكننا ببساطة التكيف مع أي شيء؟

ما الذي نحتاجه، بنهاية المطاف، لنتخطى مصائبنا؟

بعد فترة وجيزة من نشر تلك الدراسة، غادر (بريكمان) نورث وسترن متجهًا نحو جامعة ميشيغان، حيث أصبح مديرًا لأقدم وأعرق فرع لمعهد البحوث الاجتماعية. لقد كانت حفلة هيبة ، شرف غالبًا ما يكون مخصصًا للأكاديميين في ذروة حياتهم المهنية. قال لي بايج ، وهو أستاذ فخري في علم الاجتماع بجامعة ميتشيغان ، إنه يعتقد أن بريكمان كان متجهًا إلى الأكاديمية الوطنية للعلوم يومًا ما.

لن نعرف ابدًا!

فيليب بريكمان

في 13 أيار (مايو) 1982، وعن عمر يناهز 38 عامًا، شق فيليب بريكمان طريقه إلى سطح تاور بلازا Tower Plaza، أطول مبنى في آن أربور Ann Arbor (إحدى مدن ولاية ميشيغان الأمريكية)، وقفز!


لم يستطع صاحب إحدى أبرز الدراسات التأسيسية النفسية حول السعادة التخلص من آلامه. Click To Tweet

وفقًا لمن عرفوه، لم يعاني “بريكمان” من نزعات انتحارية مستمرة ومُعقدة. ربما شعر بالاكتئاب ومشاعر نقص عميقة. أما الانتحار؟ فلا، ولا حتى خلال الأسابيع الأخيرة من حياته.

تقول (فيتا كارولي رابينوفيتز Vita Carulli Rabinowitz)، إحدى طالبات الدراسات العليا:

“لأتخيل ما كان يمكن أن يدفعه للانتحار، توجّب علي تخيل شخصًا مختلفًا. ما جعلني أتساءل: هل عانى من اضطراب كامن لم نره؟”

معظم حالات الانتحار هي ألغاز صعبة، فمعاناة المنتحر “خاصة ويصعب وصفها”، كما وصفتها (كاي ريدفيلد جاميسون Kay Redfield Jamison) في تحفتها “ظُلمة تتهاوى: محاولة لفهم الانتحار”.

لكن “بريكمان” كتب -خلال حياته القصيرة- أكثر من 50 فصلاً من كتب وأوراق أكاديمية، علاوة عن كتاب (نُشر بعد وفاته). فلو عانى من اضطراب كامن، كما تشير رابينوفيتز، فلا بدّ أنه تعدى حدود الوصف. ما يجعل من المغري، حتى لو بعد فوات الأوان، أن نتساءل عما إذا كانت أبحاثه مجرد محاولة -غير واعية- لفكّ لغز نفسه المتكدرة.

بمقدورنا القول أن جزءًا منها كان كذلك. لكنها، للأسف، لم تكن كافية.

هل ثمّة ما فاته؟

وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان اكتمال أفكاره ليُحدث فرقًا؟ سيكون هناك دائمًا فجوة -يمكن جسرها بالنسبة لمعظمنا، ولكن يصعب التغلب عليها بالنسبة لقلة تعاني- بين فهم ما يزعجنا وامتلاك الوسائل أو الرغبة في التخلص من تلك المشاعر الصعبة.

وربما من المفيد التساؤل عما إذا كان الفهم له علاقة بالموضوع (فهو مطلب للأحياء أكثر منه للموتى).

ماذا نتعلم من فيليب بريكمان؟

كأستاذ، مزج بريكمان -بفرادة- بين الحيوية وغرابة الأطوار، والدقة وانعدام الثقة. كان محاضرًا سيئًا. لكن متحدثًا بارعًا، من النوع الذي يقتحم مكتبك كلما خطرت له فكرة جديدة، حريصًا على مناقشتها، وأكثر حماسًا للتعاون.

في لقاءه الأول بكاميل وورتمان Camille Wortman، وهي الآن أستاذة فخرية لعلم النفس في جامعة ستوني بروك، كان التساؤل “عما إذا كانت تعتقد أن القتلة المتسلسلين يستحقون التعاطف” مناورته الافتتاحية للمحادثة.

تقول: “بالنسبة لي، كان حبًا فكريًا من الكلمة الأولى“. خلال محادثاتهما، توجّب عليها -في كثير من الأحيان- قتل رغبتها بالعودة إلى مكتبها وتدوين الملاحظات.

ومع ذلك، كان بريكمان مرتبكًا بسبب انعدام الأمن الجسدي والفكري. كان “بيتوتيًا”، تملئ وجهه ندوب حب الشباب، وشفته متوجة بشارب مُبالغٍ فيه. حنونًا ولكن حساسًا.

تقول وورتمان: “سيُصاب بالجنون لو حصلت دراسة قدّمها على تقييم سلبي. لا أحد يحب التقييمات السلبية، ولكن تأثيرها السيء يفوق الوصف بالنسبة لبريكمان. إذ كان يثرثر حولها لأيام!”.

تقول رابينوفيتز، نائب عميد جامعة مدينة نيويورك: “لم تكن لترغب حقًا في عقد اجتماع معه”. كان بائسًا.. غريبًا. لكن ممن تعتز بهم، حتى لو استنفد صبرك. ومع ذلك، لا يبدو أنه حظيّ لنفسه بنصف إعجاب الآخرين به.

المفارقة هي أن بريكمان أدرك، أفضل من أي شخص آخر تقريبًا، أن السعي إلى المكانة، والوفرة المادية -وفي النهاية السعادة نفسها- مسعى لا طائل منه.
إذ أدرك في بداية حياته المهنية أنه كلما حققنا المزيد، احتجنا إلى المزيد للحفاظ على مستوياتنا الجديدة من الرضا. فرضانا عن الجديد يتلاشى؛ نحن نتكيف رغم أنفنا.

في عام 1971، ذهب فيليب بريكمان وعالم النفس (دونالد تي كامبل Donald T. Campbell) إلى حد ابتكار مصطلح للبحث غير المجدي عن المزيد: “تكيُّف المتعة – The hedonic treadmill“. وخلصوا إلى أنه “قد لا تكون هناك طريقة لزيادة إجمالي سعادة الإنسان الدائمة، إلا عبر الخروج من تكيّف المتعة تمامًا”.

هذا ملفت للغاية، ولكن ما الذي ستعيش من أجله، إن لم تكن السعادة؟

ذاك ما سنُجيب عليه في التدوينة القادمة بإذن الله.

ماذا كتبت أيضًا عن مفهوم السعادة؟

🤩 عن السعادة والصلصة اللذيذة!

🤩 نقاش عشوائي عن التبسيط والمتعة

🤩 ما هو شعور أن تمتلك كل شيء؟ [تجربتي الشخصية]

وهذا ما كتبه أصدقائي أيضًا:

🧠 عن السعادة .. ~ مدونة وِجـــدان

🧠 2018؛ احتفوا بالحياة! ~ مدونة بيان علي

🧠 مفتاح السعادة – تأمل في طبيعة علاقاتنا الإنسانية ~ مدونة زوايا

====

* ) في تجربة علم النفس، تشير المجموعة التجريبية (أو الحالة التجريبية) إلى مجموعة المشاركين الذين يتعرضون للمتغير المستقل. ثم تُقارن البيانات التي جُمعت مع البيانات من المجموعة الضابطة، والتي لم يتعرض أفرادها للمتغير. وبذا، يستطيع الباحثون معرفة ما إذا كان للمتغير المستقل أي تأثير على سلوك المشاركين.