مدونة م.طارق الموصللي

أول جرعة كيماوي: حين تغدو الحياة وردية.. أكثر من اللازم!

أول جرعة كيماوي

أول جرعة كيماوي

هل تمنيت يومًا لو أُصبت بمرضٍ عُضال، سرطان Cancer مثلًا، أملًا في لفت أنظار الناس إليك وكسب تعاطفهم؟ إليك قصة شخص تمنى ذلك، وحصل على مُناه!

بدأت القصة بألم في الكتف، استهونت به حتى فاق الاحتمال، ففعلت ما قد يفعله أيٌ منّا في مثل هذه الحالة: استشرت المقربين.
وبالفعل، انهالت عليّ التشخيصات من كل حدبٍ وصوب، فقال البعض أنه التهاب في الأعصاب، وقال آخرون بأنه مجرد عَرض مؤقت لكثرة جلوسي أمام الحاسوب، بل ووصف ليّ أحدهم دواءً!

لكن الألم لم يختفي رغم تطبيقي جميع النصائح، بل -في الواقع- تفاقم حتى وصل بيّ الحال إلى الاستيقاظ ليلًا بسببه. في تلك اللحظة قررت التوجه لطبيب.

الرحلة المكوكية

لكن إلى مَن ألجئ؟ طبيب أعصاب؟ طبيب عظام؟ كان مصدر الألم مجهولًا بالنسبة ليّ. لكن الكفة رجحت -في عقلي- لصالح طبيب الأعصاب (نظرًا لعجزي عن حمل كوب شاي Mug دون الإحساس بالألم).

مع المعاينة السريرية، أقرّ الطبيب أنني لا أشكو من أي مرض عضوي. ولقطع الشكّ باليقين، طلب منيّ إحضار صورة لأشعة مقطعية CT scan لأربعة أماكن من جسدي (الكتف – الصدر – البطن – الحوض). بدا طلبه غريبًا (فما علاقة الحوض بألمٍ في الكتف؟!) لكنني أذعنت له. رغم ذلك، لم تُظهر الصورة الشعاعية أي مشكلة.


فقال: لنُجري إذًا صورة مرنان/الرنين المغناطيسي “M.R.I”

بما أن صورة الرنين المغناطيسي أظهرت (آفة كتلية)، فقرر طبيب الأعصاب تحويلي لآخر مختص بالأورام (د. فواز ديروان). وكنت مؤمنًا -حتى تلك اللحظة- أنه سيصف ليّ (كبسولة) تُنهي ذاك الألم للأبد. وبعد انتظار دام ساعة ونصف خرجت (الحالة) التي نليها، وهي لرجل وزوجته، لكن مراجعة الطبيب لم تكن تخصهما؛ وإنما تخص والدة الرجل السبعينية الذي ظهر ورمٌ في رحمها عجز الأطباء أمامه، فهو في رحلة -مشابهة لرحلتي- بحثًا عن التشخيص الصحيح، وصولًا إلى (طبيبنا).
تبيّن -والحديث لزوجة الرجل- أن حماتها مُصابة بسرطان عنق الرحم، في مرحلة متأخرة لا ينفع معها إلا العلاج الكيماوي. وهنا بدأت المرأة بالبكاء! ظلت تُردد: كيف سنُخبرها؟ وإن لم نُخبرها أثناء تلقي الجرعة.. فستعلم حين يبدأ شعرها في التساقط…
على الطرف الآخر، كان الزوج (ابن المريضة) يذرع البهو جيئةً وذهابًا، ثم توقف أمامنا ليستكمل ما عجزت زوجته عن قوله: .. يقول الطبيب أن جسدها قد لا يحتمل العلاج، لكن ما البديل؟ أأتركها لتواجه الألم؟ وماذا عن موقفي يوم القيامة أمام الله وهو يحاسبني: لماذا لم تأخذ بالأسباب، علّ الشفاء يكون قريبًا؟


كل ذلك وأنا أردد في قرارة نفسي: أعانهم الله سبحانه، والحمد له وحده أن منّ عليّ فلن أكون في موقفهم يومًا.

“نأخذ من كل رجلٍ قبيلة!”

لا، لم أخطئ كتابة العبارة السابقة، بل هي دعابة موجودة في إحدى الألعاب الإلكترونية (التي لا أذكرها)، لكن ما طُلب منيّ فعليًا ليس بدعابة.

حوّلني الطبيب المذكور، وهو طبيب شهير بالمناسبة، إلى المستشفى لأخذ خزعة من منطقة الورم/الانتفاخ. صحيح، نسيت أن أخبرك عزيزي القارئ أن كتفي -وتحديدًا المنطقة المقابلة لعظم الترقوة- انتفخ بشكلٍ ملحوظ.

الخزعة هي إجراء لإزالة قطعة من النسيج أو عينة من الخلايا من جسمك بحيث يمكن تحليلها في المختبر. إذا كنت تعاني علامات وأعراضًا معينة أو إذا حدد طبيبك أمرًا مثيرًا للقلق، فقد تخضع للخزعة لتحديد ما إذا كنت مصابًا بالسرطان أو أي حالة أخرى.

Mayo Clinic (مايو كلينك)

لكن كيف تؤخذ هذه المدعوة (خزعة)؟

شعرت أن عبارة (أخذ خزعة) مألوفة، ولألّا أُثير الذعر في قلبي، فضّلت -متوكلًا على الله وحده- ألّا أبحث عن طريقة أخذها، لكن الفضول كاد يقتلني، فبحثت عن فيديو يشرح الأمر، وليتني لم أفعل!
فكل ما شاهدته هو “إبرة طويلة.. مريعة” تدخل في جسد المريض، وصَدف ان كان ذاك المريض طفلًا ارتجف أثناء أخذ الخزعة منه (رغم التخدير الموضعي). لم أنم ليلتها، وظللت أتفصد عرقًا باردًا لأكثر من ساعتين.

ثم جاء اليوم المشهود، دخلت العيادة فوقعت عيني على طاولة الأدوات يتوسطها “الخازع”. تسارعت نبضات قلبي بشكلٍ جنوني، وفي محاولة مني لتهدئتها استحضرت مقولة المسلسلات التلفزيونية الشهيرة:

لقد تطور الطب كثيرًا خلال السنوات السابقة.

في تلك الأثناء، لاحظ الطبيب -أو خمّن بحسب خبرته ربما- قلقي، فطلب مني إشاحة وجهي جانبًا في حين يتكفل هو بإخباري متى سأشعر بالألم. وهذا ما فعله برويّة:

سأحقنك بالمُخدر الموضعي، ربما تشعر بوخزة خفيفة.

الآن، ستشعر بنصل المِبضع البارد، وبحِرقة بسيطة.

الآن، سأُدخل ابرة الخازع، لكنك لن تشعر بها.

لا تتحرك! أنا الآن على وشك أخذ الخزعة.

*تِك* أخذتها (شعرت حينها بما يُشبه لسعة الناموس!)

انتهينا.

وضع الطبيب الخزعة داخل أنبوب التحليل وأرسلها للمخبر، وكان عليّ انتظار النتيجة (التي ستظهر بعد 4 أيام).

ما لم يذكره الطبيب عن ألم الخزعة أنه يأتي بعد أخذها، إذ عانيت خلال أيام الانتظار من ألم خفيف لكن مستمر، ولم يُجدِ المُسكّن القوي الذي وصفه ليّ نفعًا.

ثم ظهرت النتيجة: نحتاج لأخذ خزعة أخرى، لكن من عقدة لمفاوية مختلفة!
لكن لما سنُعيدها؟ تبادل الطبيبان (طبيب الأعصاب) و (طبيب الأورام) الاتهامات:


لم تُوخذ الخزعة بالشكل الصحيح.

لم يُتقن طبيبك قراءة نتيجة التحليل.

تبًا لكما! لا يهمّ أيكما المخطئ، أريد حلًا عدا إعادة العملية.

لكن للأسف، لم يكن أمامي سوى الرضوخ. إنما لأضمن عدم تكرار الخطأ، قررت إجراء العملية المطلوبة (أخذ الخزعة) لدى طبيبٍ آخر.
وبسؤال الأطباء في عائلتنا (إضافة للدكتور فواز)، اتفق الجميع على اسم طبيب “مختص في أخذ الخزعات” ويعمل في مستشفى خاص، وكانت الأخيرة هي الوجهة.

لكنها لم تكن الوجهة الأخيرة!

وصلت المستشفى، فطلب الطبيب إجراء التحاليل التالية:

انتبه! لم يُطلب منيّ الاختبار أعلاه -رغم أهميته الشديدة- قبل أخذ الخزعة السابقة.

بيّنت النتيجة إمكانية إجراء الخزعة:

شكرًا موظفة المخبر التي كتبت اسمي بالشكل الصحيح.

بمجرد دخولي حجرة الطبيب، طلبت من الطبيب إخباري متى سأشعر بألم (لأتهيئ نفسيًا)، فصارحني -ببساطة شديدة- حول عجزه عن التنبؤ. ولن أنكر مهارته في تجنبي كثيرًا من الألم الذي يُفترض أن أشعر به (نظرًا لقُرب العقدة اللمفاوية من منطقة مليئة بالأربطة العضلية).

نجحت عملية أخذ الخزعة، لكنها لم تكشف عن العلّة.

اسأل حكيمًا.. وانسى أمر هراء المُجرّب!

رغم إجماع الأطباء الذين استشرناهم في كل خطوة، لكن كان للعامة والأصدقاء رأيٌ آخر!
فكلما ذكرنا إجراءً طبيًا سيّرناه، ظهر من يلومنا قائلًا: لكنهم لم يطلبوا ذلك من قريبي/قريبتي المصابـ(ـة) بذات العلّة!


[نعم! ذات العلّة التي لمّا يُحددها الأطباء أنفسهم بعد]

ورُغم تشوش الأفكار الذي تلقيناه بسبب هؤلاء، والإرهاق الذي اعترانا نتيجة طول فترة البحث (شهر ونصف تقريبًا)، استمرّ سيرنا وفق خطة التشخيص المُحددة. حتى اقترح علينا أحدهم اقتراحًا غريبًا:


ألا يكفيكم ما قاساه ابنكم من ألم بسبب الخزعات؟! أوقفوا هذه المهزلة وأجروا جراحة “بسيطة” لاستئصال عقدة لمفاوية كاملة. سيتمكن المِخبري حينها من دراستها وتقديم التقرير النهائي.

مُجرب.. كما يدعيّ!

استشرنا الدكتور أنس السليمان، فقال: الجراحة مُجدية بالفعل، لكنني لن أُجريها!


– “لماذا؟!”
– لأن شكًّا -بنسبة 1%- يساورني حول طبيعة الورم، فإن تبيّن أنه ورم خبيث، فستؤدي الجراحة إلى تفشيّه في كامل الجسد.
– “إذًا، فلا بدّ من أخذ خزعة ثالثة، أليس كذلك؟”
-بلى، ونرجو أن تكون الأخيرة.

وبما أن الخزعتين الأوليتين أُخذتا من منطقة الأبط، قرر (د. السليمان) أخذ الثالثة من عُقدة فوق الترقوة.
وهُنا جنّ جنوني!

أفضّل الموت على ذلك!

إذ قفزت إلى ذاكرتي لقطة الطفل الذي ارتجف أثناء أخذ الخزعة منه (رغم التخدير الموضعي). علاوة عن إحساسي بأن أخذ خزعة حيث لا أرى الطبيب الواقف خلفي تُشبه طعنةً في الظهر، وأنا لا أحب الغدر.
لذلك، وبمجرد عودتي للمنزل، أخبرت زوجتي بقراري: “لن أخضع لجلسة أخذ خزعة مهما حدث، حتى لو عنى ذلك موتي”
لم ترد بلسانها.. بل بدموعها! وقالت بعد أن استدركت نفسها: ما لنا سوى الله ثم أنت، فإلى من ستتركنا لو مُت -لا سمح الله-؟

لم تكن تعلم أن الموت عندي يتمثل في دموعها، فعدلت عن قراري. وحان موعد الجلسة الثالثة.

على عكس سابقتيها، طلب مني الطبيب إدارة ظهري له “كما توقعت!” وأخبرني بصريح العبارة: سيكون الألم أشدّ قليلًا هذه المرة.


[أعشق صراحة الأطباء يا رجل!]

المصيبة أنه كان عليّ التجلد أكثر هذه المرة، لما؟ لأن الطبيب اللطيف أفشى لوالدي سرّي وأخبره أنني “أننت = يأنّ المريض حين يشعر بالألم، أليس هذا البديهي؟” خلال الجلسة السابقة، فكان أن استقبلني والدي بتوصية مميزة: كُن رجلًا!
إذًا، لا يكفي أن عليّ الخضوع لما لا أريده، بل والابتسام في وجه (الخائن)!
لنتابع..

أتخذت الجلسة المطلوبة، وبدأ الطبيب عمله “في صمت”، ولأكون صريحًا.. لم يكذب الطبيب حين وصف الألم بالأشد “قليلًا” حتى حانت تلك اللحظة: طعنة! (حتى أنت يا بروتوس.. أقصد يا أنس؟). شعرت بنصلٍ يخترق عظامي ليصل إلى قلبي مباشرةً، فصدرت عنيّ آهة وصل صداها خارج الغرفة، ولما سألته -وأنا أنظر إليه شَزْرًا- قال: يبدو أن (الخازع) لامس عظم الترقوة يا صديقي.

“لست صديقك!” قلتها في قرارة نفسي “ثم، أكُلّ هذا لأنه لامس العظم؟ فكيف لو اخترقه؟

[بالمناسبة، سأكتشف إجابة سؤالي الأخير قريبًا]

ظهرت نتيجة التحليل: لمفوما Lymphoma، ولا بدّ من المعالجة الكيمياوية.
كيف تلقيت الخبر؟ سأجيبك في الوقت المناسب.

ثبات انفعالي؟ نكتة رديئة!

هل أنا جاهز لتلقي أول جرعة كيماوي؟

حسنًا، ليس تمامًا! فلا بدّ من أخذ خزعة نقي العظام.. من عظم الحوض (ألم أخبرك أنني سأكتشف ألم اختراق الخازع للعظم؟!)

من الطريف أن قلقي من خزعة نقي العظام فاق المتعلق بأخذ جرعة الكيماوي ذاتها، فألم الأخيرة مجهولٌ بالنسبة ليّ.
لذا، ما إن رأيت الخازع -للمرة الرابعة على التوالي- حتى انتابتني نوبة هلع. لما لا نتحدث عنها قليلًا؟

نوبة الهلع عبارة عن نوبة مفاجئة من الخوف الشديد الذي يحفز ردود الأفعال الجسمانية الشديدة بينما لا يوجد خطر حقيقي أو سبب واضح للخوف.

mayoclinic.org

بدأت أرتجف، وطلبت من الطبيبة المسؤولة التريث قليلًا (كانت نبرتي مرتفعة بعض الشيء)، وما أذكره أن لساني أعلن العصيان التام حين أمره عقلي بالتجلّد والإيذان للطبيبة بأخذ الخزعة. استرجعت الألم الشديد الذي صاحب لمس -مجرد لمس- الابرة لعظم الترقوة، وتخيلته مضاعفًا حين تنغرس في عظم الحوض.
في البداية، طمأنتي الطبيبة أنه في حال شعوري بالألم، ستحقنني بمهدئ. لكن أي مهدئ سحري سيقضي على الألم خلال ثانية يا تُرى؟
صرخت في داخلي: لم أعد أحتمل! أوقفوا كل شيء. لكن صُراخي انعكس على شكل جملة بسيطة: بل احقني المهدئ الآن لو سمحتِ.

وبالفعل، حقنت المهدئ عبر الوريد، وشعرت بنفسي أغط في نومٍ لذيذ. صحوت بعد ساعة ونصف -تخللتها لحظات من الهلوسة بالتأكيد-ليبدأ ألم من نوعٍ آخر.

غادرت مركز الأورام مستندًا إلى كتف زوجتي، وكانت رحلة العودة إلى المنزل أشبه بالاختطاف؛ إذ لم أعيّ الطرق التي مررنا بها، ولا الأحاديث المتبادلة بين والدتي وزوجتي، كنت أفتح عيناي فأشعر ببرودة زجاج نافذة السيارة على جبهتي ليقشعر بدني ويجتاح الثِقل رأسي فأنام.

وظهرت النتيجة الإيجابية:

الآن، أنا جاهز.. تبقى إجراء أخير فحسب.

قلبي الصغير.. هل سيحتمل؟

اشرح ليّ [العلاج الكيماوي] كما لو كنت في الخامسة: مزيج من الأدوية يهدف للقضاء على الخلايا السرطانية/الخبيثة، وتكون تبعاته وآثاره الجانبية ثقيلة على الخلايا الطبيعية السليمة لأعضاء الجسم البشري، وعلى رأسها: القلب.

تبعات؟ مثل ماذا؟  تقلص جدار القلب – انخفاض قدرته على الحركة – موت خلايا نسيج عضلة القلب (بسبب ما يحدثه العلاج من التهابات وتغيرات في طبيعتها) وتلف للحامض النووي (بما يسمى: تنخُّر الخلية Cell Necrosis).

في هذه المرحلة، لم يعود الحديث عمّا إن كنت سأخضع للعلاج الكيماوي أم لا، وإنما: هل سيتحمل قلبي مزيج الأدوية الموصوفة ليّ أم لا بدّ من إيجاد نوعٍ مختلفٍ من العلاج الكيميائي؟

بفضل الله سبحانه، كانت نتيجة اختبار وظيفة القلب إيجابية.

هذا يعني جاهزيتي الكاملة لتلقي أول جرعة كيماوي.

لحظة! يبدو أنني تلقيتها بالفعل.. متى؟ حينما حُقنت بالمهدئ.

أتمازحني؟

في الواقع، لا. إذ أن الخزعة واختبار وظيفة القلب كان هدفهما معرفة ما إن جسدي سيحتمل الآتي. على العموم، وفي انتظار الجرعة الحقيقية -والتي حُدد موعدها بعد أسبوعين- مارست حياتي بشكلٍ طبيعي، ثم قرأت خبر وفاتي في أغرب مكانٍ قد يخطر على بالي.

باختصار، ونظرًا لاهتمامي بالرسم في فترة سابقة، بدأت خوارزمية اليوتيوب بإقتراح فيديوهات للرسّام المتفائل والشهير بوب روس Bob Ross، وكان آخرها الوثائقي القصير Where Are All the Bob Ross Paintings? We Found Them.

أثناء مشاهدته، استوقفتني لقطة.. أعدّت مشاهدتها بضعة مرات:

حسنًا! يبدو أننا في ورطة يا صديقي.

فكرت: هل كانت طمأنة الأطباء -بأن اللمفوما غير مميتة- محض خدعة؟
لكن، هل قالوا ذلك حقًا؟ حين استرجعت أحاديث الأطباء -وبالتحديد طبيبة الأورام (د. منى عرابي)- أدركت أنني كُنت أعيش حالة إنكار (والتي أدّت لكارثة كادت تودي بحياتي لولا لطف الله، غير أنني سأتحدث عنها فيما بعد).

ما قالته الطبيبة أن تقرير المِخبري -المسؤول عن تلوين الخزعة– أشار إلى وصول انتشار المرض في جسدي للمرحلة 2B، لكن تشخيصها يقول أنني في المرحلة الثالثة (III)

في هذه المرحلة من الإصابة بالسرطان، يكون الورم كبير الحجم ومن الممكن أنه قد انتقل إلى الخلايا المجاورة أو العقد اللمفاوية.

ويب طب

لحظة! السرطان أصلًا متمركز في العقد اللمفاوية.. تبًا!

البطل المزيف

تكرر وصفي بالبطل من الجميع، إذ أظهرت تجلدًا عند تلقي الخبر، وأنهالت عليّ التطمينات بإمكانية وسهولة الشفاء (إذ أصبح للجميع -فجأة- قريب أُصيب بذات مصابي!).

لكن ما يجهله هؤلاء اجتياح شعور العدمية جوارحي، ورغم تأكيد جميع الأطباء على أن الحالة النفسية لا تقل أهمية عن تلقي العلاج لمن يرغب بالتماثل للشفاء، إلا أنني كنت أنهار Collapse من الداخل.

تجلّت مظاهر هذا الانهيار في تخليّ عن مشروع حياتي، كيف لا وأنا أشعر أن الوقت قد لا يُسعفني أصلًا! ثم ساءت علاقتي مع عملي وعملائي، فبدأت في إلغاء المشاريع التي أعمل عليها

ألغيت أيضًا موعدي مع طبيب الأسنان، فما نفع الأسنان السليمة لـ “ميّت”؟ أليس من الأجدى أن أترك ذاك المال لعائلتي علّها تنتفع به بعد مماتي؟

الأمر الوحيد الذي بقي متماسكًا: علاقتي مع أفراد عائلتي، ولا فضل ليّ في ذلك، إذ هم من أحاطوني بالرعاية والاهتمام. وانهالت عليّ التطمينات بكونها (شِدّة وستزول بإذن الله تعالى). يقضي والدي جلّ ليله في البكاء والدعاء، في حين يحاول إخوتي إمطاري برسائل المواساة. وأنا؟ لم أذرف دمعة إطلاقًا، هل هو التسليم؟

الإنكار قد يقتل!

بحسب نموذج كيوبلر روس أو ما يعرف بـمراحل الحزن الخمسة، فإن الشخص يبدأ في إنكار الكارثة ويحاول إيهام نفسه أنها غير حقيقة أو لن تؤثر عليها. وكان من تجليّاته أنني لم أهتم بحديث الأطباء الذي تلى التشخيص، ولذا لم أهتم لأسماء الأدوية والعقاقير الطبية أو حتى أشكال عبواتها.

واستمر الأمر كذلك حتى طُلب مني أخذ حقنتين (لرفع المناعة) قبل تلقي الجرعة الثانية (أو الجرعة الأولى الحقيقية إن كنت تذكر). في اليوم الأول، رأيت العبوة الصغيرة، وكيف أخذ منها الطبيب الدواء ثم حقنه تحت جلدي. لكن في المرة الثانية، أحضرت والدتي عبوة كبيرة -حمراء اللون- قائلةً بأن الشاب الذي يعمل في مستودع الأدوية أخبرها بكونه رافع مناعة “بتركيبة مختلفة”.
لا أنكر استغرابي حجم العبوة (خاصةً والمفترض أن يؤخذ منها 3 سم فحسب، فهل سيُرمى الباقي؟)، لكنني قتلت استغرابي بعدم الاكتراث، ثم حُقنت!

ما حدث بعدئذٍ كان سريعًا: شعور بـ”الحرقان” موضع الحقنة، تلاه الغثيان الذي لم يُفارقني طيلة 24 ساعة، ما أثار ذعر زوجتي التي تواصلت مع الطبيبة -مُرسلةً صورة العبوة- لتشهق الأخيرة قائلةً:

ذاك أحد الأدوية الأساسية في العلاج، ولا علاقة له برفع المناعة!

ولمن لا يعلم، فأدوية العلاج الكيماوي تُضخ -إن صح القول- على مراحل متسلسلة، ويُضاف إليها سائل وريدي (سيروم) لغسيل الأوردة.
ليأتي طبيب الطوارئ ويحقنيّ به بشكلٍ مباشر!

لحسن الحظ، نجوت!
[هل هي رسالة من رب السماء يا تُرى؟]

“لماذا أنا؟”

سؤال تقليدي، أليس كذلك؟ رغم ذلك، لم أطرحه!

حين تلقيت الخبر عن طريق التقرير التالي:

تظهر نوى الأنسجة اللمفاوية التليف والتسلل اللمفاوي مع وجود خلايا شاذة، موحية بسرطان الغدد الليمفاوية.

كنت جالسًا على مكتبي المُقابل لغرفة الجلوس، ونظراتي تتنقل بين الشاشة أمامي ووجه زوجتي المنتظرة ترجمتي ما جاء في التقرير، وحينما نفد صبرها سألتني عن فحواه، فرددت: لا جديد.

لا أعلم لِما أردت إخفاء الأمر، ربما لاعتقادي بأن طبيب الأورام أقدر مني على نقل خبر إصابتي. لكنها كانت تعلم! هذا ما أخبرتني به بعد أول جرعة كيماوي، إذ قالت:

أنت زوجي، لذا فأنا أعلم لما ترمز أدنى تعابير وجهك حتى ولو لم تنطق. وقد تغيّر وجهك وعَلته صُفرة فور قراءتك التقرير، ومع ذلك، لم أُرد الضغط عليك.

بالمناسبة، كيف لم ينتبه أحدهم إلى خلاصة أول تقارير د. أنس؟

نعود للحظة التالية لعبارة (لا جديد).

“إذًا، تحقق الحُلم!” ذاك ما حدثتني به نفسي بعد استيعابي ما جاء في التقرير. سألنا الطبيبة عن مُسببات اللمفوما فأجابت أنها مجهولة حتى اللحظة؛ فلا هي ناجمة عن مورثات مثلًا، ولا عن أسلوب حياة خاطئ، أو عن التدخين وغيره. يمكننا الاكتفاء بالقول/ هي ابتلاء من الله فحسب/.

ثاني جرعة كيماوي

كان من المفترض أن تُنشر هذه التدوينة في الفترة الفاصلة بين الجرعتين، لكن الإرهاق الناتج عن الجرعة الأولى حال دون إكمالي لها. [يبدو أن متلازمة تأخر التسليم في الموعد النهائي أصابت هذه التدوينة أيضًا!]

علاوة على ذلك، سألت نفسي: كيف أُعنون التدوينة بـ “أول جرعة كيماويدون أن أذكر أي تفاصيل عن تجربة تلقي الجرعة ذاتها؟

لذا، إليكم ما حدث:

أجلسوني في غرفة صغيرة لكن أنيقة، السرير بارد رغم الطقس الحار، ولأنني معتاد على الحُقن -فلا أخشاها- شعرت بالارتياح، وبأن لا ألم قادم (أو هذا ما حسبته على الأقل).

دخلت الطبيبة تطمئن عليّ، أخبرتها أن معنوياتي عالية ولا أشكو من شيء، فطلبت من الممرضة أخذ عينة من دمي بغية تحليل نسبة الكريات البيضاء. وبعد نصف ساعة جاءت النتيجة: أقل من الحدّ الطبيعي. ما يعني تأجيل الجرعة ريثما أتلقى (رافعًا للمناعة)؛ وهو دواء يؤخذ عن طريق الحقن تحت الجلد -كإبر الأنسولين- ووظيفته تحفيز نقي العظام على إفراز الخلايا الجذعية ومواد أخرى تنتج بدورها خلايا الدم (من بينها الكريات البيضاء).


بناءً على توصيات الطبيبة، تلقيت (حُقنة رفع المناعة) في اليوم التالي ظهرًا، ثم..

هجم الألم!

في تمام الساعة العاشرة مساءً من ذاك اليوم، بدأت أشعر بالألم أسفل ظهري. ومجددًا.. لم تنفع معه المُسكنات ولا التدليك.
ولوهلة، ظننت أنه بسبب جلوسي قبالة المروحة Fan بعد الاستحمام، لكن بالتركيز على مصدر الألم -أثناءه- تأكدت أنه غير ناجم عن شدّ عضلي (وإلا لاستكان بعد وضع Moov، أليس كذلك؟)

لكن الألم كان ألمًا في العظم. حسنًا، هل تذكر وصفي لألم ملامسة (الخازع) عظم الترقوة؟ ذاك كان ألم لحظة، هذه المرة الألم امتد لساعات (حتى أنه حرمني من النوم ليلتها).

عندما حان موعد تلقي جرعة الكيماوي الثانية (الحقيقية هذه المرة)، كان رديّ على سؤال الطبيبة الاطمئناني: شعرت بألمٍ لا يوصف عند تلقي حقنة رفع المناعة، فما تفسير ذلك؟
أجابتني: طبيعي، فاستخلاص الجسد للكريات البيضاء عبر نقي العظام عملية مُرهقة ومؤلمة، احرص في المرات القادمة على أخذ المسكن قبل أخذك الحقنة.

المرات القادمة؟! نعم، إذ تبيّن أن مناعة جسدي في الأصل ضعيفة، ولذا سيكون لزامًا عليّ (رفعها) قبل كل جرعة.

الآن، لنعاود الحديث عن الجرعة.
بعد إجراء تحليل المناعة، تبيّن أنني جاهز لتلقي جرعة الكيماوي. جلست الطبيبة إلى طاولتها تتفقد عُلب الأدوية:

شريك (الإنكار)!

فلما استوثقت من اكتمالها، أذِنت للممرضة بوضعها داخل (السيروم).

كيف تتلقى جرعة كيماوي .. كأسير حرب؟!

حين رأيت الممرضة تضع الأدوية -على فترات متباعدة- الواحد تلو الآخر، شعرت أنني أسير حرب يُحاول (العدو) الضغط عليه للاعتراف عبر مصل الحقيقة Truth serum! لكن الحق يُقال، حرص (الأعداء) على ابتلاعي حبّة مضاد للإقياء قبل ضخ الدواء في السيروم.

لم تتخلل الجرعة أي آلام (نظرًا لحقن المُسكن التي دأبت الممرضة على تزويد كيس السيروم بها)، عدا ألم أحسسته في الرُبع الأخير؛ حين حقنت الممرضة (كيس السيروم) بسائل شفاف على عَجل، ليبدأ شعور (الاحتراق الداخلي) بالسيران في عروقي. فإذ بي أنتقل من حالة الحديث الماتع مع زوجتي وأخي الذي حضر جلسة العلاج إلى الصمت المُطبق (مع إشاحة وجهي بعيدًا لألّا يروا تعابير الألم المرسومة عليه). استمر الألم قرابة العشر دقائق ثم اختفى تدريجيًا.

وعلى غرار المرة السابقة، نمت طيلة رحلة العودة إلى المنزل. وصلت مُنهكًا حد تطلب بلوغ الطابق الرابع ~10 دقائق. وما إن وصلت حتى ارتميت على السرير ودخلت فيما يُشبه الغيبوبة (دأبت زوجتي على تفقد معدل أنفاسي بيدها كل نصف ساعة، فلم يسبق أن نمت 9 ساعات متواصلة!)

استيقظت بعد الغيبوبة مع طعم مرّ على لساني، كما لو كنت طفلًا -في الخامسة- غافل والدته ولَعق قطعة حديدية. ورافقني هذا الشعور، دون انقطاع، طيلة 7 أيام. وللعلم: لم أستطع التخلص منه رغم ازدرادي عدة لترات من المياه النقية!

ما ميّز الجرعة الثانية عن سابقتها هو شعور الغثيان طيلة الوقت. جدير بالذكر وصف الطبيبة مضادًا فعّالًا للإقياء، حيث أتناوله “على الريق” بمجرد استيقاظي صباحًا، لذا.. يتعامل جسدي على مبدأ أغنية فيروز (تعا ولا تجي)؛ فلا أنا أتقيأ -أجلّكم الله- فترتاح معدتي، في ذات الوقت أشعر أنني على وشك فعلها!

في اليوم الثامن من تلقي الجرعة الثانية، بدأ شعري يتساقط (عَرض طبيعي)، وتذكرت موقف ابن المرأة السبعينية وزوجته، فقررت كتمان الأمر لألا تتفطر قلوب أفراد عائلتي المقيمين في الخارج. وهكذا، وبعد حلاقة شعر رأسي تجنبت مكالمات الفيديو أو إرسال صوري بصحبة أطفالي. ولا أعلم إلى متى يُمكنني أخفاء الأمر!

من المواقف الطريفة التي قابلتني:
عرض الحلّاق حلاقه شعره تضامنًا معي، نحن أصدقاء “نوعًا ما”، لكنه يصغرني بثلاثة عشر عامًا.. أي أنه ما زال مراهقًا معتدًا بذاته، بل اشتكى أمامي -قبل معرفة طلبي حلاقة شعري- أن تصفيفة شعره الحالية لا تروقه! لكن تبقى مبادرته لطيفة عمومًا.

لم يتعرف عليّ معظم الباعة في السوق المجاور لمنزلي، وألح بعضهم على معرفة سبب حلاقتي شعري، لكنني تمنعت عن إدلاء تصريح حول السبب الحقيقي (تجنبًا لنظرات الشفقة).

ماذا الآن؟

تلقيت الجرعة الثالثة بتاريخ 11/10/2021، أي قبل 4 أيام من كتابة هذه السطور، ولم يُفارقني شعور الإنهاك لحظة واحدة.
علمًا بأنني استعدت نشاطي -بعد جرعة الكيماوي الثانية- في اليوم الثالث تقريبًا، وبسؤال الطبيبة أجابت: ستضعف مقاومة جسدك إثر كل جرعة شيئًا فشيئًا.

أؤمن أنني لن أنجو، وأتعامل مع العالم من هذا المنطلق؛ لذا سأحرص حين أنشر التدوينة ألّا يقرأها أحد من عائلتي. ولألا أختمها بتشاؤم إليكم رحلة الناجية هديل الجاسر: رحلة العفو والعافية

إنما حتى ذاك الحين، دعوني استغل الفرصة فأحيا الحياة رغم كل أوتيت من ضعف.

ملاحظة أخيرة

حاولت -قدر استطاعتي- التفصيل، لكن كتابة هذه التدوينة أرهقتني أكثر مما تخيلت. فأرجو أن أكون قد وفيت حقّ الأبطال أمثالي

Exit mobile version