مدونة م.طارق الموصللي

التبسّط الرقمي: تخلص من الفوضى الرقمية وجِد التركيز والهدوء في 30 يومًا

التبسّط الرقمي

التبسّط الرقمي

“كيف تبسّط حياتك الرقمية؟”

سرعان ما أصبح سؤال جيل بأكمله. بين جداول المواعيد المزدحمة، وصناديق البريد الممتلئة، والخلاصات اللانهائية لوسائل التواصل الاجتماعي والأخبار (و لا ننسى نتفلكس)، يمكن أن تشعر أن أسلوب قضاء وقتك على الإنترنت لم يعد متروكًا لك حقًا.

ولكن ماذا لو كانت هناك طريقة لاستخدام التكنولوجيا دون الشعور بأنها تستخدمك؟! هي موجودة بالفعل وتُدعى: التبسّط الرقمي – Digital minimalism.

التبسّط الرقمي – Digital minimalism

مصطلح صاغه المؤلف وأستاذ علوم الكمبيوتر (كال نيوبورت-Cal Newport) في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، تهدف فلسفة التبسّط الرقمي لاستخدام التكنولوجيا بناءً على إدراك أن علاقتنا بتطبيقاتنا وأدواتنا وهواتفنا “عفوية” وتستحق انتباهًا أكثر مما نمنحها إياه.

المشكلة -كما يراها كال- أنه يمكن للبريد الإلكتروني والدردشة أن يكونا مرهقين ومثمرين في آنٍ معًا. والفيسبوك مصدر تشتيت وقوة، إضافة لهواتفنا التي تُعتبر مُشتتات مزعجة بنفس القدر الذي تُعتبر فيه أدواتٍ قوية لفهم العالم.

يمكن لطريقة استخدام التطبيقات أن تجلب لك قيمة أو تشتت انتباهك على نحوٍ مُحبِط. وإيجاد توازن بين الجوانب السلبية والإيجابية للتكنولوجيا هو عملية موازنة دقيقة يحاول التبسّط الرقمي الوصول إليها.

كيف تكون بسيطًا في العصر الرقمي: أساسيات التبسّط الرقمي


شاع مفهوم “التقليلية/التجرّد/Minimalism” أكثر على مدار العقود القليلة الماضية. فنظرًا لأن الكثيرين منا يجدون أنفسهم منغمسين في نمط حياة مفرط الاستهلاكية حيث لا نتوقف عن طلب “المزيد”، تصبح فكرة العيش بسعادة مع القليل جذّابة أكثر.

ومع ذلك، فإن التبسّط -بجميع أشكاله- لا يتعلق بتقليل مقدار “الأشياء” التي تمتلكها فحسب، وإنما بإدراك ووعي سبب امتلاكها وكيفية استخدامها بأفضل طريقة ممكنة.

يشرح كال:

يميل (المتجردون-Minimalists) لإنفاق مال وحيازة أشياء أقل بكثير من أقرانهم. وغالبًا ما يكونون راديكاليين تمامًا في تشكيل حياتهم حول الأشياء التي تهمهم”.

لا يتعلق التبسط الرقمي، بالطريقة نفسها، بحذف تطبيق الفيسبوك أو تعلم طريقة أفضل لإخلاء بريدك الوارد فحسب. وإنما يرتبط بتشكيل حياتك الرقمية عن وعي وفقًا لقيمك حتى تشعر بالرضا عن التطبيقات والأدوات التي تستخدمها يوميًا.

ومع ذلك، لا بدّ أن نعترف: هذا أصعب مما يبدو.

لا تكمن المشكلة في إدمان التكنولوجيا. وإنما بجمع التقنيات الرقمية للخير والشر في ثناياها كما لو كانت مشروع قانونٍ شامل*!

قلّة منا على استعداد للتخلي عن التكنولوجيا الجيدة (التجول عبر خرائط جوجل ومشاهدة الصور العائلية على الانستغرام، وغيرها) مقابل تقليل الضرر. ومع ذلك، فإن الاستمرار بمراقبة تطبيقاتك وسلوكياتك قد تؤدي إلى شيء واحد فحسب: الإرهاق.

وفقًا لبحثنا الخاص، وجدنا أنك تميل- في المتوسط- إلى:

يصعب تخيل (وضع أسوأ) للتفكير العميق والتركيز وحتى الصحة العقلية.

كلما تقبلنا حياة مليئة بالتطبيقات والأجهزة والأدوات “الملتهمة” للانتباه، قلّ الوقت والطاقة التي بوسعنا استخدامهما لنمط التفكير العميق الذي يؤدي إلى الأفكار الكبيرة والإبداع الحقيقي والرضا.

بدلاً من ذلك، يقدّم التبسّط الرقمي وجهة نظر مختلفة للتكنولوجيا: تركز فيها على “عدد صغير من الأنشطة المختارة بعناية والمحسّنة التي تدعم بقوة الأشياء التي تقدرها، ثم تتخلى -بسعادة- عن أي شيء آخر”

للوهلة الأولى، العناصر الجوهرية للتبسّط الرقمي بسيطة:

أولا، امتلاك خيار وإرادة. تستمر في استخدام التكنولوجيا، ولكن فقط ما تريده منها وبطرق تتصل بقيمك فقط.
بعد ذلك، ترشيد الأدوات التي تستخدمها. لا بدّ أن يعمل (ما تسمح به منها) لصالحك. وهذا يعني فصل الجيد عن السيئ.
أخيرًا، تقبّل حقيقة أنك لن تكون في كل مكان طوال الوقت. تقتات شركات التكنولوجيا على “الفومو/FOMO – الخوف من فوات شيء ما“. في حين يُسرّ المتجردون الرقميون/Digital Minimalists ليفويتهم الأشياء التي يعرفون أنها لا تجلب قيمة لحياتهم.

غير أنها قد تكون عملية غريبة إذا لم تفكر مطلقًا في كيفية استخدامك للتكنولوجيا. ولكن كما سترى، فإن النتائج تستحق العناء: ضغط أقل، تركيز أكبر، وحياة أفضل وأكثر إرضاءً.

الحمية الرقمية: خطة الثلاثين يومًا لإتقان التجرّد الرقمي

إن تطوير عقلية رقمية تبسيطيّة ليس أمرًا سهلًا. ومع ذلك، في كتابه، يقدّم “كال” وسيلة فعّالة ضمن خطة مدتها 30 يومًا لبدء أسلوب حياتك المُبسّط.

الخطوة 1: حدد قيمك الجوهرية (وكيف تدعمها/تخذلها التكنولوجيا)


تعتمد البساطة الرقمية على فهم أعمق لقيمك. وهي ما ستحكم وفقه على قيمة كل وسيلة رقمية. لذا اسأل نفسك: ما المهم بالنسبة لك؟ وما الذي تسعى لتحقيقه من خلال قضاء وقتك؟

يمكن أن تكون القيم أمورًا مثل الموثوقية أو الإبداع أو حتى التعاطف والصداقة. قيم عملاقة لكنها غامضة إلى حد ما. ومع ذلك، تشكّل عدسات قوية لترى التكنولوجيا خاصتك من خلالها.

أي جزء من استخدام الفيسبوك ذو علاقة بإحساسك بالموثوقية؟ هل يُشعرك التواجد على تويتر أو ضمن العديد من قنوات سلاك “Slack” بالتعاطف؟

عندما تفهم قيمك بوضوح وكيف تؤثر على فلسفتك في استخدام التكنولوجيا، يمكنك اتخاذ قرارات مستنيرة وواثقة حول ما ومتى يجب استخدامه. وتصبح قادرًا على منح الأولوية للمعنى طويل المدى على حساب الرضا قصير المدى.

الخطوة 2: تخلى عن جميع التقنيات “الاختيارية” لمدة 30 يومًا


بدلاً من محاولة الحكم فورًا على ما إذا كانت الوسائل التي تستخدمها متصلة بقيمك، يقترح (كال) العكس:

خصص 30 يومًا تأخذ خلالها استراحة من جميع التقنيات الاختيارية في حياتك.

وتعني “اختياري”، في هذه الحالة، أي أداة/تطبيق يضرّ إيقافه المؤقت بعملك اليومي أو حياتك الشخصية.

ضع قائمة بالتطبيقات والأدوات والخدمات (مثل نتفليكس والألعاب وما إلى ذلك) التي استطعت حظرها بفعالية لمدة 30 يومًا القادمة. البريد الإلكتروني الخاص بالعمل ليس اختياريًا. على عكس تويتر. دوّن تلك القائمة وضعها في مكان ما يمكنك رؤيتها كل يوم.

إذا كنت ترغب في أتمتة هذه العملية، أضف هذه المواقع والأدوات إلى قائمة حظر FocusTime: هي أداة حظر تلقائي للمواقع الإلكترونية مهمتها منعك من زيارة المُشتتات الرقمية.

المُبرر لمثل هذا التغيير الصارم أن اقتصاد جذب الاهتمام “Attention economy” بات -ببساطة- قويًا للغاية. لن تُفلح محاولة تغيير عاداتك تدريجيًا. بدلاً من ذلك، تحتاج لاختبار انقطاع تام قبل التمكن من اتخاذ قرارات محايدة حول ما يجب أن تعيده إلى حياتك.

الخطوة 3: تتبع “محفزات التكنولوجيا” واستكشف الأنشطة الأخرى


خلال 30 يومًا من “الحمية” لديك هدفان:

منح الشعور بجاذبية التكنولوجيا انتباهًا خاصًا. متى تلتقط هاتفك؟ هل تماطل في مهام العمل أو الردّ على رسائل البريد الإلكتروني عبر التحقق من تويتر؟ غالبًا ما يخفي استخدامنا للتكنولوجيا بعض المشكلات الكامنة الأخرى.

اكتشاف نشاطات “أكثر جودة” لملء وقت الفراغ. يهدف قسم كبير من هذه الحمية لتجربة أنشطة أخرى بعيدًا عن التكنولوجيا. املأ أوقات الفراغ تلك بقراءة الكتب أو التنزه مع الأصدقاء أو الانكباب على هواية أهملتها أو حتى عِش أحلام يقظة.
حسبما يشرح (كال)، ستودّ -مع نهاية الحمية الرقمية- اكتشاف نوع الأنشطة التي تخلق الرضا الحقيقي، مما يُمكّنك من نسج حياة أفضل.. حياة لا تلعب فيها التكنولوجيا سوى دور داعم لغايات أكثر أهمية.

الخطوة 4: حدد “إجراءات تشغيل” للأدوات التي ستسمح بعودتها


يُسمح لك، بعد انتهاء الإجازة المذكورة أعلاه، بإعادة إدخال التقنيات الاختيارية مرة أخرى في حياتك، إنما بشرطين:

أولاً، تسائل حيال كل أداة /تطبيق/جهاز:

“هل تدعم هذه التكنولوجيا شيئًا أقدره بشدة على نحوٍ مباشر؟”

لا يهم ما إذا كانت الأداة/التطبيق يوفر بعض القيمة. إنما لا بدّ أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإحدى قيمك الجوهرية.

على سبيل المثال، قد تكتشف أن قراءة التغريدات الاستفزازية على تويتر مجرد مُشتت، بينما الدردشة مع أصدقائك القدامى عبر الانستغرام مرتبطة بعمق بقيمة الصداقة لديك.


وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية. بمجرد اجتياز التطبيق/الأداة السؤال الأول بنجاح، تسائل:

“هل هذه التقنية مُعدّة بأفضل طريقة لدعم تلك القيمة؟”

لاجتياز هذا الاختبار، يقترح Cal وضع إجراءات تشغيل: قواعد واضحة لوقت وكيفية استخدام كل من التقنيات الاختيارية التي سمحت بعودتها.

على سبيل المثال، لن تكتفي بقول “أستخدم الانستغرام لأنه يُشعرني بوجود صلة مع أصدقائي.” بدلاً من ذلك، يمكنك وضع قاعدة أكثر تفصيلاً مثل: “أتفقد الانستغرام لمرة واحدة يوميًا في أيام العمل ولعشرين دقيقة فحسب. قلّصت قائمة أصدقائي لتضمّ أهمّهم ممن يستحقون المتابعة”.

يجب أن تجتاز كل أداة جديدة هذه الاختبارات أيضًا.

الخطوة 5: تجاهل الباقي بشكل نشط

من خلال قائمة الأدوات والتطبيقات المسموح بها، وإجراءات التشغيل الواضحة، والنشاطات عالية الجودة لملء وقتك، يجب ألّا تكون متوترًا حيال مواكبة الفيسبوك أو تفقد الأخبار كل 30 دقيقة.

لكن كونك (متبسطًا رقميًا) هي عملية مستمرة.

كما يوضح (كال):

“لا صحة لمقولة أن [بعض التكنولوجيا] سيقدم بعض القيمة. يواكب( المتبسط الرقمي) التكنولوجيا بقدر ما يخدم الأشياء التي يجدها الأكثر أهمية في حياته، ويسعده تفويّت كل شيء آخر”

أفضل 5 ممارسات للحفاظ على أسلوب حياة رقمي بسيط على المدى الطويل

سرّ الابتعاد عن تقنيات جذب الانتباه: استغلال وقت الفراغ بأنشطة أخرى أكثر أهمية. لكن علينا الاعتراف بأن ذلك لن يكون سهلاً دائمًا على شخصٍ أمضى سنوات في التمرير والنقر.

لمساعدتك على استعادة اهتمامك بالمُتع “غير التكنولوجية”، يحدد Cal عددًا من الطرق لدعم حريتك الرقمية:

قضاء بعض الوقت بمفردك. العزلة -الجسدية والنفسية- مهمة للتفكير بجلاء. بدلًا من شعورك بالخوف من فقدان شيء على وسائل التواصل الاجتماعي، حاول ترك هاتفك في منزلك أثناء المشي.
لا تنقر زرّ الإعجاب. أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات الرقمية نسخًا رقمية للوجبات السريعة (سهلة الاستهلاك ولكن قليلة القيمة الغذائية). لتجنب ذلك، يقترح (كال) تحديد طريقة التعامل مع هذه الأدوات على وجه التحديد. نعم، يمكنك البقاء على اتصال والتواصل مع أحبائك. لكن لا تنقر على “أعجبني” ولا تسمح لنفسك بأن تكون متاحًا دائمًا.
استعد أوقات الفراغ. أحد الأسباب التي تجعلنا نعتمد بشدة على التقنيات الرقمية هو أننا فقدنا هواياتنا. من الأسهل التمرير عبر هاتفك بدلاً من قراءة كتاب. حاول استعادة وقت الفراغ للمهام (اليدوية) التي تستمتع بها.
تخيل أنه يتعين عليك الدفع مقابل كل نقرة/تمرير. إذا لم تتمكن من إعطاء وقتك واهتمامك القيمة التي يستحقها، فامنحها قيمة نقدية. اسأل نفسك: كيف سيتغير سلوكي إذا كانت كل تمريرة على الانستغرام، أو تصفح لخلاصة تويتر سيكلفني دولارًا واحدًا؟


لماذا نحتاج اليوم لاعتناق التبسّط الرقمي أكثر من أي وقت مضى


البساطة الرقمية هي وسيلة ليس فقط لتحديد التقنيات التي تدخلها في حياتك بوضوح ولكن كيفية استخدامها.
بمجرد أن تفهم قيمك الحقيقية، يمكنك بناء استخدامك للتكنولوجيا حولها. بدلاً من الشعور بالإرهاق، تصبح أكثر إصرارًا وتمكينًا وإنتاجية.

المصدر: عبدالله المهيري، الذي لطالما شاركنا روائع الويب العربي

عرضت نتفليكس رعاية هذه التدوينة لقاء 18.99$. راسلني إن كان بمقدورك تقديم عرضٍ أفضل!

هوامش:

*) مشروع القانون الشامل: قانون مقترح يغطي عددًا من الموضوعات المتنوعة أو غير ذات الصلة.
نظرًا لحجمها ونطاقها الكبيرين، تحدّ مشاريع القوانين الشاملة من فرص المناقشة والتدقيق. تاريخيًا، اُسُتخدمت مشروعات القوانين الشاملة أحيانًا لتمرير تعديلات مثيرة للجدل. لهذا السبب، يعتبر البعض أن مشاريع القوانين الشاملة مناهضة للديمقراطية.



Exit mobile version