هل بمقدور تقنية تحليل الوجه استحداث إنترنت آمن لأطفالنا؟

تقنية تحليل الوجه

تخيّل أنك أمسكت هاتفك هذا الصباح لنشر صورة على شبكتك الاجتماعية المفضلة -ولندعوها Twinstabooktok- ليُطلب منك صورة سيلفي قبل أن تتمكن من تسجيل الدخول. لن تُرسل الصورة التي أرسلتها إلى أي مكان، وهذا ما تؤكده شروط الخدمة. عوض ذلك، ستُستخدم أحدث تقنيات التعلم الآلي لتحديد عمرك. على الأرجح، بمجرد إرسال تلك الصورة، يمكنك المتابعة.

ما الجانب الإيجابي للخدمة أعلاه؟ ستكون الشبكة الاجتماعية قادرة على معرفة أنك مستخدم بالغ وتزودك بتجربة خالية إلى حد كبير من الرقابة الأبوية، بينما سيُمنح الأطفال الذين حاولوا التسجيل نسخة محدودة من نفس التجربة.

اعتمادًا على موقفك من تأثير التكنولوجيا، قد يبدو ذلك بمثابة تصحيح طال انتظاره لقطاع التكنولوجيا في الغرب المتوحش، أو محاولة تقييدية ميؤوس منها لبلوغ هدف مستحيل: إنترنت آمن للأطفال.

في كلتا الحالتين، ما قرأته لتوّك أقرب إلى الواقع مما تتخيل!

في الصين، يتوجب على اللاعبين الراغبين بتسجيل الدخول لألعاب الهاتف الذكي بعد الساعة 10 مساءً إثبات سنهم وإلا سيُطردون، إذ تحاول الدولة معالجة إدمان الألعاب. صرّحت شركة الألعاب الصينية الشهيرة Tencent الثلاثاء الماضي:

“سنجري فحصًا للوجه للحسابات المسجلة بأسماء حقيقية والتي لعبت لفترة معينة من الوقت في الليل، وسنتعامل مع أي شخص يرفض تحليل الوجه أو يفشل فيه على أنه قاصر، كما هو موضح في إتفاقية مكافحة الإدمان لنظام الصحة في لعبة Tencent، وسيُطرد فورًا”.

الآن، قد ينتقل النهج ذاته إلى المملكة المتحدة، حيث توشك سلسلة من الإجراءات الحكومية على أن تدخل حيز التنفيذ في تتابع سريع، مما قد يؤدي إلى تغيير الإنترنت إلى الأبد.

مشكلة التحقق من عمر مستخدم الإنترنت الأساسية واضحة بما فيه الكفاية: إذا لم يعرف أحد على الإنترنت أنك كلب، فمؤكد أنهم لا يعرفون -أيضًا- أنك تبلغ من العمر 17 عامًا.


في العالم الحقيقي، لدينا طريقتان رئيسيتان للتحقق من العمر. الأولى عبر إحدى أشكال الهوية الرسمية. ففي المملكة المتحدة، غالبًا ما تكون هذه رخصة قيادة ، بينما بالنسبة للأطفال، قد تكون أيًا من بطاقات الهوية القليلة للقطاع الخاص، مثل CitizenCard أو MyID Card. وهي، بدورها، مدعومة بسلسلة صارمة من إجراءات إثبات الهوية، وعادة ما تُحال لشهادة الميلاد (الدليل النهائي للعمر). وبلا شك لدينا الطريقة التقليدية: النظر في وجوه الناس. إذ ليست ثمّة حاجة لنظام بطاقة الهوية لإيقاف تسلل الأطفال في السابعة إلى فيلم للبالغين!

الخلاف يبدأ من تعريف الهوية

ولكن تبين أن إثبات عمرك باستخدام بطاقة الهوية مختلف تمامًا عنه على الشابكة، كما يقول أليك موفيت، باحث أمني مستقل ومدير سابق لمجموعة الحقوق المفتوحة (Open Rights Group) إذ يقول:

“الهوية مفهوم يُساء فهمه بصورة عامة، خاصة عبر الإنترنت. لأن “الهوية” تعني في الواقع “العلاقة”. نحب أن نفكر في الهوية على أنها تعني “بيانات الاعتماد”، مثل “جواز السفر” أو “رخصة القيادة”، ولكن حتى في هذه الحالة فنحن نتحدث في الواقع عن الرابطة بين حامل جواز السفر وجواز السفر ذاته.

بعبارة أخرى: حتى في العالم الحقيقي، فإن إثبات العمر ليس مجرد قطعة ورق تقول “تجاوزت الثامن عشرة من عمري”؛ وإنما هي أقرب لعُقدة في رابطة معقدة تقول: “لقد تحقَّق مُصدِر هذه البطاقة من أن الشخص صاحب الصورة على البطاقة يزيد عمره عن 18 عامًا عبر استشارة السلطة ذات الصلة”.

عبر الإنترنت، إذا استنسخت المستوى السطحي لعمليات التحقق من الهوية في العالم الحقيقي- إظهارها لشخص يتحقق من التاريخ المُدوّن عليها- فإنك تكسر هذا الرابط بين العلاقات. لا فائدة من إثبات أنك تحمل رخصة قيادة صالحة، على سبيل المثال، إذا لم تتمكن أيضًا من إثبات أنك صاحب الاسم المُدوّن عليها. ولكن إذا وافقت على ذلك، فسيكون للموقع الذي تزوره سجلًا قويًا عن هويتك، ومتى زرته، وماذا فعلت أثناء وجودك هناك.

لذلك، من الناحية العملية، يمكن أن يصبح التحقق من العمر بمثابة التحقق من الهوية، والذي يمكن أن يصبح بدوره، كما يحذر موفيت، “خاضعًا للتدقيق المتبادل والإلغاء من عُصبة أطراف ثالثة، سعيدة جدًا لفرص تحقيق الدخل التي حازتها”.

لهذا السبب فشلت أنظمة إثبات العمر الرقمية

لقد أجهضت هذه المخاوف أكثر من مجرد محاولات لبناء أنظمة إثبات العمر عبر الإنترنت. منذ هزيمة بطاقات الهوية الوطنية في عهد بلير وما بعده، كان الشعب البريطاني حذرًا من أي شيء يبدو أنه قاعدة بيانات وطنية. إنهم يخشون بدء تعقب الأشخاص في نظام مركزي، وهذه هي الخطوة الأولى في انحدار لا يرحم نحو دولة مراقبة (Surveillance State). ولكن مع تراكم ثقل التشريع، يبدو أنه من المحتم أن يتغير شيء ما قريبًا.

كان قانون الاقتصاد الرقمي (2017) في الغالب عبارة عن تشريع منظم، حيث أدخل تعديلات على عدد من القضايا التي أثيرت منذ صدور قانون عام 2010 الأكثر اتساعًا والذي يحمل نفس الاسم. لكن أحد الأحكام، الجزء الثالث من القانون، كان محاولة لفعل شيء فريد: تقديم مطلب للتحقق من العمر عبر الإنترنت.

كان نطاق القانون ضيقًا نسبيًا، حيث كان ينطبق فقط على المواقع الإباحية، ومع ذلك اكتفى بطلب التأكد من أن مستخدميّ تلك المواقع تجاوزوا السن القانوني دون تحديد للكيفية، وبدلاً من تحويل مهمة العثور على حل مقبول للقطاع الخاص. تم تقديم مقترحات غريبة؛ من “تصريح إباحي”، يمكن للمستخدمين شراؤه من بائع جرائد! مرورًا بمحاولات الخوارزمية للاستفادة من بيانات بطاقة الائتمان وخدمات التحقق من الائتمان الحالية للقيام بذلك تلقائيًا (بمعدل نجاح أقل من المذهل). وأخيرًا، غُرّمت المواقع التي اُكتشف أنها تقدم مواد إباحية لمن تقل أعمارهم عن 18 عامًا بنسبة تصل إلى 5% من حجم مبيعاتها، وسُميّ المجلس البريطاني لتصنيف الأفلام “BBFC” بصفته الجهة المنظمة المتوقعة، ووضعت اللوائح التفصيلية.

وبعد ذلك؟

لم يحدث شيء! كان يُفترض أن يبدأ البرنامج في 2018 وهو ما لم يحدث، لكن الحكومة البريطانية، بعد عامين من إقرار القانون، حددت موعدًا: يوليو من ذلك العام. ولكن قبل أيام قليلة من دخول اللائحة حيز التنفيذ، قالت الحكومة إنها فشلت في تقديم إخطار إلى المفوضية الأوروبية وأجلت الخطة أكثر، ثم فجأة، في أكتوبر 2019، مع اقتراب الموعد النهائي مرة أخرى، قُتل المخطط نهائيًا.

نشر هذا الخبر حزنًا في قلوب نشطاء الحملة، مثل فانيسا مورس “Vanessa Morse”، الرئيس التنفيذي لـ Cease، مركز يهدف إنهاء جميع أشكال الاستغلال الجنسي. إذ تقول: “إنه لأمر مهول أن لم تخضع المواقع الإباحية بعد للتحقق من العمر. كان للمملكة المتحدة فرصة لتكون رائدة في هذا المجال. ولكن بسبب المراوغة والتسويف، استحوذت عليه الكثير من الدول الأخرى بالفعل”.

تحتجّ مورس بأن عدم تحديد العمر على الإنترنت يسبب ضررًا جسيمًا:

“صناعة المواد الإباحية عبر الإنترنت غير منظمة على الإطلاق. كان أمامها عدة عقود لتنفجر من حيث النمو، وبالكاد نُظمت على الإطلاق. نتيجة لذلك، لا تميز المواقع الإباحية بين المستخدمين الأطفال والبالغين. أصحابوا ليسوا محايدين ولا بالسُذج: فهم يعرفون أن هناك 1.4 مليون طفل يزورون المواقع الإباحية كل شهر في المملكة المتحدة.

ويقول 44% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و 16 عامًا، والذين يشاهدون المواد الإباحية بانتظام، أنها أعطتهم أفكارًا حول نوع الجنس الذي يريدون تجربته. نحن نعلم أن استهلاك الأطفال للمواد الإباحية عبر الإنترنت قد ارتبط بزيادة كبيرة في الاعتداء الجنسي على الأطفال على مدار السنوات القليلة الماضية. يشكل الاعتداء الجنسي على الأطفال الآن حوالي ثلث جميع حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال. وهذا رغم مهول!”

ورغم اعتراضات Cease وغيرها، لا تظهر الحكومة أي بوادر على إعادة إحياء الحظر الإباحي. وبدلاً من ذلك، انقسمت جهود حماية الطفل عبر مجموعة من المبادرات المختلفة. أعادت إدارة جونسون إحياء مشروع قانون الأضرار على الإنترنت، وهو تشريع يعود إلى حقبة رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي”Theresa May-era”، وقُدّم أخيرًا في شكل مسودة في مايو: يدعو منصات وسائل التواصل الاجتماعي إلى اتخاذ إجراءات ضد المحتوى “القانوني ولكن الضار”، مثل المحتوى الذي يروّج لإيذاء النفس أو الانتحار، ويفرض عليهم متطلبات لحماية الأطفال من المحتوى غير المناسب.

في مكان آخر، قدمت الحكومة “نصيحة” غير ملزمة لخدمات الاتصالات حول كيفية “تحسين أمان منصتك على الإنترنت“: “يمكنك أيضًا منع التشفير من طرف إلى طرف لحسابات الأطفال”، كما جاء في النصيحة، لأنه “يجعل من الصعب عليك تحديد المحتوى غير القانوني والضار الذي يحدث على القنوات الخاصة”.

ومع ذلك، فإن الأكثر إلحاحًا هو قانون التصميم المناسب للعمر. والذي قّدم في قانون حماية البيانات لعام 2018، والذي نفذ اللائحة العامة لحماية البيانات في المملكة المتحدة، يرى القانون أن مكتب مفوض المعلومات يضع معيارًا جديدًا لشركات الإنترنت التي “من المحتمل أن يصل إليها الأطفال”.

عندما يدخل حيز التنفيذ في سبتمبر من هذا العام، سيكون شاملاً، ويغطي كل شيء بدءًا من متطلبات الرقابة الأبوية إلى القيود المفروضة على جمع البيانات وحظر “تنبيه” الأطفال لإيقاف حماية الخصوصية، ولكن الكلمة الأساسية هي “محتمل“: في الممارسة العملية، يخشى البعض، أنه يوجه الشبكة على نطاق واسع بما فيه الكفاية بحيث يُطلب من الإنترنت بالكامل إعلان نفسها “صديقة للأطفال” – أو لإثبات أنها منعت الأطفال.

تدعم NSPCC القانون بقوة. “يجب أن تستخدم الشبكات الاجتماعية تقنية ضمان العمر للتعرف على المستخدمين الأطفال وبالتالي ضمان عدم تقديمهم لمحتوى غير لائق من خلال الخوارزميات ومنحهم مزيدًا من الحماية ، مثل إعدادات الخصوصية الأكثر صرامة”، حسب قول أليسون تريو، كبير مسؤولي سياسة سلامة الأطفال عبر الإنترنت ضابط في NSPCC. “يجب أن تكون هذه التكنولوجيا مرنة وقابلة للتكيف مع المنصات المتنوعة التي يستخدمها الشباب -الآن والمواقع الجديدة في المستقبل- لذلك يمكن بناء ضمانات أفضل لحقوق الأطفال في الخصوصية والأمان جنبًا إلى جنب مع حماية الخصوصية لجميع المستخدمين.”

ما يعيدنا إلى البداية

خدمة وسائل التواصل الاجتماعي التي تطلب صورة شخصية عند إنشاء الحساب. نظرًا لأن متطلبات الشفرة أقل صرامة من حظر المواد الإباحية، فإن مقدمي الخدمة أحرار في الابتكار أكثر قليلاً. خذ Yoti، على سبيل المثال: توفر الشركة مجموعة من خدمات التحقق من العمر، بالشراكة مع CitizenCard لتقديم نسخة رقمية من معرفها، والعمل مع محلات السوبر ماركت ذاتية الخدمة لتجربة التعرف التلقائي على عمر الأفراد. يقول جون أبوت، كبير مسؤولي الأعمال في Yoti، إن النظام جيد بالفعل مثل الشخص في إخبار عمر شخص ما من مقطع فيديو له، وقد تم اختباره مقابل مجموعة واسعة من الخصائص الديمغرافية -بما في ذلك العمر والعرق والجنس- للتأكد من ذلك عدم إساءة تصنيف أي مجموعة معينة بشكل كبير. يدعي أحدث تقرير للشركة أن سياسة “تحدي 21” (منع الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا من خلال طلب إثبات قوي للعمر من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 21 عامًا) ستلحق الضرر بنسبة 98% من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 17 عامًا، و 99.15% من سن 16 عامًا، على سبيل المثال.

تضيف جولي داوسون، زميلة أبوت، مديرة التنظيم والسياسات: “إنه تحليل الوجه، وليس التعرف على الوجه. لا أتعرف على وجهي وجهًا لوجه، كل ما أحاول التمرين عليه هو عمري.”

تعتقد الشركة أن هذا النظام يمكن نشره على نطاق واسع بين عشية وضحاها تقريبًا، وبالنسبة للشركات التي تحتاج ببساطة إلى إثبات أنه ليس من “المحتمل” أن يتمكن الأطفال من الوصول إليها، فقد يكون عرضًا مقنعًا.

بالطبع هذا ليس شيئًا من شأنه أن يزعج طفلًا ذكيًا يبلغ من العمر 14 عامًا -أو حتى مجرد شخص عادي يبلغ من العمر 14 عامًا لديه هاتف وشقيق أكبر منه على استعداد للوقوف في صورة السيلفي- ولكن ربما يكون هناك القليل من الاحتكاك أفضل من لا شيء.

المزيد عن الأمن السايبراني:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.