السعادة على طريقة فيليب بريكمان [2]

اصطياد السعادة

أنهينا الجزء السابق مع سؤال: ما الذي ستعيش من أجله، إن لم تكن السعادة؟

التزاماتك فهي، وفقًا لبريكمان، الطريق الحقيقي للخلاص، والحل لوجود عبثي.
وأدرك أنها لن تمنح المتعة دائمًا؛ حتى أنها قد “تعارض وتتعارض مع الحرية أو السعادة”، كما ذكر في كتابه “Commitment, Conflict, and Caring” الذي نُشر بعد خمس سنوات من وفاته. ولكن من نواحٍ عديدة، كانت هذه خلاصته: كلما ضحينا في سبيل أمرٍ ما، زادت القيمة التي نمنحها إياه.

ثم عقّب:

“تتضمن السعادة التقبّل الحماسي وغير المتكافئ للأنشطة أو العلاقات التي ليست أفضل ما يمكن الحصول عليه.”

قال دان كوتس Dan Coates، أحد طلّاب بريكمان السابقين والمؤلف الثاني في دراسة اليانصيب (المذكورة في الجزء السابق) “أعتقد أن مقصد فِل كان: السعادة ليست ما يحافظ على حياتنا. بل التعاسة هي ما يحافظ علينا حقًا”.

وهي فكرة محررِة -بل ومثيرة- خاصة إذا شعرت أن السعادة بعيدة المنال، كما حدث مع بريكمان. تقول وورتمان: “أعتقد أنه شعر بوجود خطبٍ ما، لأنه حقق الكثير من النجاح الشخصي والمهني، ومع ذلك لم يكن مرتاحًا كما أمل”.

ثمّة مشكلة واحدة في نظرية بريكمان

يمكن للالتزامات أن تكون -هي الأخرى- متقلبة ومؤقتة. ربما تكون أقل تقلّبًا من ارتفاع الدوبامين عند نشر ورقة بحثية أو الوقوع في الحب. لكن -مع ذلك- لا يمكن التعويل عليها. فالعلاقات تنتهي، والأعمال تفشل. من المؤلم الاعتراف بذلك: لكن الروابط التي غالبًا ما اعتبرناها حبالًا، هي في الحقيقة “خيوط رقيقة”.

اعتاد (جيفري بيج Jeffery Paige) القول إنه يحسد عائلة بريكمان على حياتهم. فعلى السطح، وُجد الكثير مما يحسدون عليه: ثلاث فتيات رائعات، وزوجة جميلة، ومزرعة مثالية خارج آن أربور. لكن تحقيق تلك الصورة عن الصفاء الداخلي كان صعب المنال؛ إذ لم يأتِ بريكمان بالضبط من عائلة ملتزمة بطبيعتها. تقول أخته جولي، أن والده كان “لعوبًا” يزعزع استقرار الأسرة بمغامراته العاطفية خارج مؤسسة الزواج، وكان بريكمان صبيًا صغيرًا قلقًا عديم الثقة بنفسه.

وتُتابع: “حاول جاهدًا التغلب على أزمته، إذ اشترى مليون كتاب طريف ليتمكن من تعلم كيفية إلقاء النكات ليبدو ظريفًا ويسليّ مَن حوله”

لكن مع بلوغه السابعة عشر من عمره، ذهب بريكمان إلى هارفارد ووجد أخيرًا مَن يُشابهه، وعندما التحق بالجامعة، التقى بزوجته التي أُغرم بها تمامًا.

ثم ساءت الأمور، كما وضحت سلسلة رسائل كشف عنها (بنيامين روبرت فيجنر Benjamin Robert Wegner)، المعالج النفسي الذي أكمل مؤخرًا أطروحة حول بريكمان.
الأولى، من فِل إلى زوجته، عن ازدرائها علم النفس الاجتماعي:

“إذا كنتِ حقًا معادية ومحتقرة للمجال كما يبدو في بعض الأحيان، فهذا يعني أنك إما تريدين مني تغيير مجال عملي أو تتمنين لو كان لديك شريك حياة آخر بمجال عمل تكنيّن له المزيد من الاحترام”.

والرسالة الأخرى، من بريكمان إلى صديقه، حول مقدار التعالي الذي زعمت زوجته أنه يشعر به:

“جزء من عملي، وتحديدًا وصفه بعبارات فظة بالنسبة للعاملين فيه، كان ما منع زوجتي من الإحساس بالنقص”

وأضاف أنه اتخذ قرارات “جلد ذات” لفعل بذلك، بما في ذلك قطع علاقته بالأصدقاء الذين لاحظت ازدراءهم، وحتى إقصاء أخته وتقليل تواصله بوالديه.

لم تعد زوجة بريكمان حيّة لدحض هذا التفسير للأحداث. ماتت بمرض باركنسون عام 2017. لكن شقيقها الأصغر، (ريك شيفر Rick Schaeffer)، أكدّ أنها كانت لتنظر إلى تدهور زواجها بصورة مختلفة.

هل كان بريكمان زوجًا مخلصًا؟

ليس تمامًا. إذ ذكرت زوجته لشقيقها أنه (خانها) ذات مرة أثناء حضوره مؤتمر.

لكن المرأة كانت غريبة. وقد ثبت أن الهفوة، رغم كونها مؤلمة، يمكن التغلب عليها. يقول (شيفر) أن أكثر الأمور صعوبة أن بريكمان أصبح متطلبًا كثيرًا في نهاية زواجه. أدى الانتقال إلى مزرعة ميتشيغان وضغوطات وظيفته الجديدة رفيعة المستوى إلى تحطيمه؛ ما أدى إلى تلاشي روح الدعابة لديه، وغرقه بالقلق ، وجعله أكثر تطلبًا، وتصرفاته أكثر حدة. قضى معظم وقته في دراسته متجاهلاً الواجبات المنزلية القليلة التي كان يقوم بها.

ولأول مرة في حياته، بدا أن بريكمان يعاني من إحساس غير مألوف: الفشل.
قبل وفاته مباشرة، تقدم بطلب للحصول على منحة بحثية كبيرة؛ لم يحصل عليها. تطلب منصبه الجديد الكثير من البراعة الإدارية والتنظيمية التي لم يمتلكها. كان زملاؤه يوبخونه باستمرار.

في وقت ما خلال صيف عام 1981، طلبت زوجته الطلاق. يمكنك تخيّل وحدته ودمار نفسيته.

يقول طالبه دان كوتس: “كانت عائلته وعمله أكبر التزاماته، وبدا أن كلاهما ينهار أمامه”

سوّد بريكمان العديد من صفحات كتابه “Commitment, Conflict, and Caring” متحدثًا عن ألم الحياة الخالية من الالتزام، لا سيما في فصله الأخير بعنوان “الالتزام والصحة العقلية”. كان الفصل مزدحمًا، أخذًا شكل شذرات، وعندما بدأ كوتس في تجميعه لأول مرة -بعد وفاة بريكمان- أذهله مقدار اليأس الذي وجده في خربشات بريكمان.
اتفق كلاهما على أن فقدان التزاماتك هو مشكلة وجودية، تسلب الشخص توجّه وقيمة حياته. لكن، وبحسب كوتس، كان بريكمان يكتب دائمًا عن مدى الألم. “أعتقد أنني لم أختبر هذا المستوى من الألم”.

في النص النهائي، انتصر الألم؛ يتضمن الفصل القليل عن الانتحار.

انتقل بريكمان إلى شقة قاتمة وهجينة من غرفة نوم واحدة في (آن أربور). كانت إحدى سماتها البارزة: الملاحظات الصغيرة التي كان يسجلها في كل مكان “الأمثال أو الأقوال المأثورة أو النصائح النفسية لتشجيع لإسعاد نفسه أو الشعور بالرضا”، قالت جولي، أخته. “لقد كانت حزينة حقًا بالنسبة لي.”

وللحديث بقيّة..

الصبر مفتاح السعادة

ماذا كتبت أيضًا عن التحرر من المشاعر السلبية؟

🤖 هل بمقدور الكتابة شفاءنا من صدماتنا النفسية؟

🤖 ضريبة البقاء وحيدًا

🤖 المشاعر السلبية ليست سيئة دائمًا!

وهذا ما كتبه أصدقائي أيضًا:

👽 خمس طرق للتخلص من السلبية وتحقيق السلام الداخلي ~ فرصة

👽 ما معنى التحرر؟ وكيف أتحرر من المشاعر السلبية ~ منصة عصر السلام

👽 التحرر من المشاعر السلبية – الحرية النفسية ~ مدونة أعرف الحياة الآن

👽 من البهجة إلى الاكتئاب .. تعرّف على موقعك في سلم المشاعر ~ إيمان محمد

السعادة على طريقة فيليب بريكمان [2]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تمرير للأعلى