كيف قد يزيد التأمل معاناتك؟

التأمل

الكثير منا يصل درب التأمل عبر المعاناة. يمكن لكل من جاء مختبرًا الطريق الروحي أن يروي قصة حزن وإحباط بل ودمار في كثير من الأحيان. وعبر صراعات الحياة والصعوبات التي نمر بها، نصبح أسرى أنماط ذهنية معتادة كثيرًا ما لا توفر لنا مهربًا، لنلجأ، في نهاية الأمر، إلى التأمل علّنا نجد الراحة.

أقول دائمًا أن القلق كان معلمي الروحي الأول وقد بدأ بتعليمي في سن مبكرة جدًا.

لقد قضيت الكثير من الوقت والجهد في محاولة للسيطرة على تجربتي الحياتية بُغية الحد من معاناتي. والنتيجة التي توصلت لها اليوم تُلخصها عبارة “وهم السيطرة هو أصل القلق”، حيث تتفاقم ضغوطنا بسبب عدم قدرتنا على قبول “الجهل” بماجريات الحياة.

في بداية الأربعينيات من عمري، وضعني القدر ضمن اختبار كان من شأنه التغلب على قدرتي لإدارة حياتي نفسها؛ فعلى مدى سبع سنوات، كافح ابني (مارك) بشدة، وعانى أيّما معاناة، وحارب بشجاعة محاولًا درء الإدمان والأمراض النفسية.

تائهًا في صراعاتي النفسية، حاولت مواجهة الصعوبات التي يواجهها مدفوعًا بوهم السيطرة على الحياة. يعرف كل من يمتلك شخصًا عزيزًا يعاني من الإدمان أننا لا نتحكم أبدًا في الموقف. ومع ذلك، مضيت -بحماقة- قُدمًا وحاولت -بأنانية- التحكم بتجربة ابني.

لا زلت أذكر اليوم الذي شُخص فيه مارك بالفصام “Schizophrenia”. حدثني صوتي الداخلي “لا يمكنني القيام بذلك بعد الآن” وأدركت أخيرًا أنه لم يعد أمامي طريقة للسيطرة على وضعه.

بدايتي مع التأمل

تغير شيء ما بداخلي، وشعرت أن “وحدة التحكم داخلية” أحكمت قبضتها عليّ. فلم يكن هناك شيء لأسيطر عليه. لذا يُفترض أن نتقبّل ونعيش أيامنا القادمة كما هي.

[كيف تكون عونًا لقريبك المصاب بمرض نفسي؟]

خسر مارك -بشكل مأساوي- معركته ضد الإدمان عام 2017. ففتح موته باب التأمل من خلال تعليمي كيف أتخلى. وفتح قلبي للتقبل، كما هو وعلمني كيف أتخلص من أنماط التكييف القديمة المعتادة في ذهني.

كنت “مستقرًا” طيلة أربع سنوات، وعلى الرغم من أنني أشعر بالرضا تجاه ممارستي الآن، إلا أنني قد ارتكبت نصيبي العادل من “الأخطاء” على طول الطريق.

كان أحد أكبر أخطائي محاولة استخدام التأمل كوسيلة لتحقيق غاية. أردت أن أتحسن وفكرت إذا جلست “جيدًا/متأملًا” بما فيه الكفاية فسأجد السلام. فشلت -منذ البداية- في إدراك أن العقل الذي حاول جاهدًا أن يجد الراحة من المعاناة هو نفسه من خلقها!

أضعت وقتًا ثمينًا في محاولة لإيجاد الصيغة الصحيحة لتهدئة عقلي. اعتقدت أنه إذا شحذت تركيزي بما يكفي، وتنفست بالأسلوب الصحيح، وقللت الضوضاء الخارجية والمشتتات من حولي، عندها فقط سيهدأ ذهني وسأصل للحقيقة. كان عقلي مَن يجدّ البحث عن الصيغة الصحيحة، والطريق الصحيح، والبصيرة الصحيحة.

واستغرق الأمر ما يقرب من عامين لأدرك أخيرًا أنه -بغض النظر عما قرره عقلي- وطالما جاء الحلّ عبره، فسيُعيقني عن الاسترخاء في صمتٍ يتجاوزه (أقصد العقل).

وكان هذا مجرد خطأ من عديد الأخطاء التي ارتكبتها!

إن التركيز الشديد على المدة التي جلست فيها للتأمل، ومحاولة إعادة خلق مشاعر السعادة، وتحديد ما إذا كنت مستنيرًا أم لا، ساهمت جميعها في إدامة التشتت.

إذا تولّد لديك نفس الإحباط من ممارستك التأمل، فلا تقلق أو تتوقف. فلا توجد طريقة خاطئة للتأمل، لأن كل “الأخطاء” تؤدي فقط إلى تفاقم معاناتنا، وبالتالي تزيد من جديتنا للعودة لمحاولة التأمل مرة أخرى. الحياة محترفة في وضع (خطة بديلة) لتثبت عدم كفائتنا.

إذا كنت قد بدأت التأمل وتوقفت، ثم بدأت وتوقفت مجددًا، فأنت تسير على الدرب الصحيح. يصاب الجميع بالإحباط ويتوقفون عدة مرات قبل تطوير ممارسة جيدة.

في الواقع، يجب على المرء أن يتوقف عن “محاولة” التأمل قبل أن يبدأ بالفعل في إيقاظ ماهية التأمل داخله.

لذلك دعونا ندخل في مزيد من التفاصيل حول هذه الأخطاء التي نريد تجنبها:

محاولة تهدئة العقل

كما تطرقت سابقًا، السبب الأول لمحاولتنا التأمل: أننا نريد بشدة إسكات الثرثرة السخيفة في أذهاننا. لكن عقلنا المشاكس لا يهدئ. ولن يتوقف الأمر إطلاقًا حتى تصحو روحيًا.

لماذا يجب ألا نحاول تهدئة عقلنا؟

أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال هي: من الذي يحاول إسكات العقل؟ خذ وقتك في التفكير. ما ستجده هو أن عقلك يحاول تهدئة نفسه. إذًا، كيف يمكن أن يكون السبب الجذري للمشكلة هو مصدر الحل أيضًا؟ مستحيل. لن يستجيب عقلنا لرغبتنا في التحرر. إنه مهتم فقط بتعزيز استمراريته وزيادة أهميته.

محاولة تهدئة العقل عبر التأمل

تخلق رغبة عقلنا في تهدئة نفسه صراعًا داخليًا إضافيًا. يوفر هذا الصراع الداخلي مزيدًا من الوقود للعقل، وبالتالي فإن محاولتنا للتأمل وتهدئة العقل تؤد للمزيد من المعاناة والإحباط.

من أجل التحايل على هذه المعضلة، يجب “ألا تفعل شيئًا”. فقط اجلس وراقب كل ما يدور حولك.

فالملاحظة الصبورة والسلبية وغير التفاعلية هي قوتك العظمى. مهما كانت الأفكار التي ستظهر، فأهلًا بها. وأيًّا كانت الأفكار ستمضي، فمع السلامة. جملة تستحق المشاركة

قد يمضي بعض الوقت قبل استقرارك في وضع المراقب، ولكن بمجرد أن ندرك أنه من الممكن الجلوس ومراقبة العقل من نقطة الوعي المحايد، فإن عهد الرعب في عقولنا سيقارب نهايته.

الجلوس لفترة طويلة منذ اليوم الأول

أعتقد أن كثيرًا منا ينخرط في التأمل متخيلًا أنه سيتحول إلى خبير في يومه الأول.

تجربة شخصية:

سمعنا أن ساعة من التأمل هي فترة رائعة حقًا، فقررنا الجلوس لساعة. في الدقيقة الأولى استرجعنا كل حدث محرج في حياتنا من مرحلة الحضانة وحتى هذه اللحظة. جلسنا نتصارع مع أفكارنا مثل (جرو) مقيّد إلى جدار. حتى كسرت إرادتنا وتوقفنا بعد خمس دقائق مُقسمين ألا نجلس للتأمل مرة أخرى أبدًا.

لا تفعل هذا بنفسك. ابدأ ببطء! التأمل لا يختلف عن رفع الأثقال. إذا حاولت أن تفعل الكثير في وقت مبكر جدًا، فستؤذي نفسك.

تأمل لدقيقة أو دقيقتين للأسبوع الأول أو الثاني. ثم أضف دقيقة أو دقيقتين كل أسبوع بعد ذلك وحاول أن تشق طريقك ببطء حتى عشرين دقيقة يوميًا (كبداية).

هذه ليست مسابقة. لن تحصل على أي جوائز لمثابرتك في الظروف القاسية أو الشدائد. استمتع بالرحلة. خذ وقتك.

الاستسلام مبكرًا

إذًا، شققنا طريقنا نحو عشرين دقيقة تأمل يوميًا. ثم اختبرنا الأمر ليومين ومع ذلك: لا شيء! بقي كل شيء على حاله؛ فلا يزال عقلنا مشتتًا ولا تزال الأفكار السلبية تطرق عقولنا، إلى أن يتسلل الإحباط..

يهمس عقلك أن ما تفعله مضيعة كبيرة للوقت وها أنت تقع ضحيته مرة أخرى: إلى متى ستستمع إلى ذلك المعلم الروحي.. العاطل عن العمل.. الفقير؟ بالطبع هو يعيش في سلام. حتى أنه لم يفعل لك شيئًا حتى الآن.

احذر! لا تستسلم لعقلك.

التأمل مثل المشي وسط الضباب. نحن لا نلاحظ الكثير مما يحدث، ثم ندرك أننا مُبتلّون تمامًا “Soaking wet”. إذا بدأ عقلك الضغط عليك بحجة الجلوس دون رؤية أي نتائج، فلاحظ فقط تلك الأفكار ولا تُبدي ردّة فعل عليها.

التأمل مثل المشي وسط الضباب

لا يوجد إطار زمني محدد لاستقرار العقل، ولكن إن صبرت، فستبدأ في ملاحظة “فجوات من صمت” داخله. هذه الفجوات الصغيرة هي مؤشر جيد على أن العقل قد سئم من عدم الحصول على ردّ فعل منا. لذ اصبر واسترخِ، التزم موقفك بأنك ستجلس للتأمل حتى أنفاسك الأخيرة، ولن يؤدي عدم الحصول على نتائج إلى ردعك.

محاولة إعادة خلق التجليات التأملية

النعيم! أعطني المزيد من هذا النعيم. لا يمكن ابدا الحصول على ما يكفي من النعيم!

أي شخص جاء لتجربة الشعور بالغبطة في التأمل قد حاول بالتأكيد إعادة إنشائه. إذا أنكرت، فأنت تكذب.

كل ما يحدث في التأمل هو تجلٍ: البهجة، الأضواء، الألوان، الهالات، الأصوات، الصور، الأحلام، تجارب الخروج من الجسد، انتشار ما يُشبه النشوة الجنسية إنما لكامل الجسم، السفر عبر الزمان والمكان… كل تلك مجرد ظواهر غير ذات أهمية حقيقية لهدفك الكبير: الصحوة.

إذا أصبحت مفتونًا بالظواهر، فعقلك يغدو مفتونًا بالتبعية. الهدف من التأمل هو الاسترخاء مع الوعي بأن نهر الحياة جارٍ. وبما أن الوعي بمضيّ الحياة يشمل الوعي بتحرر العقل. فهذا يعني أننا لو “وقعنا أسرى” دور العقل الذي يحاول إعادة إنشاء تجربتنا التأملية، فسنفقد -على الأرجح- دور المراقب المحايد.

القاعدة التي يجب السير وفقها هنا: الاسترخاء والسماح لأمواج الحياة بأخذنا حيث تشاء. لا حاجة لافتعال شيء. وليس ثمّة ما يجب إزالته. فقط تلقى ما يغمرك باسترخاء.

حمل أي توقعات حول التأمل

من الطبيعي أن نبدأ ممارسة التأمل لأننا نودّ لو نشعر بتحسن. فعقلنا يسبب لنا المتاعب. وعلاقاتنا لا تسير على ما يُرام. نحترق في العمل ونتقاضى أجوراً أقل مما نستحق، وفي بعض الأحيان نريد فقط الاستسلام. هذا فقط فوق قدرتنا على الاحتمال.

لكن مجددًا، من يريد أن يشعر بالتحسن؟ من يحمل هذا التوقع بأن التأمل هو العلاج الذي كنا ننتظره؟ عقلنا! العقل مهتم بالشعور بالتحسن، لذا مرة أخرى، نحن نخلق المزيد من الصراع الداخلي. العقل لا يحب الطريقة التي تسير وفقها الحياة، هو يبحث عن حياة أفضل. لذا يبدو الأمر كما لو كنّا نلعب لعبة شد الحبل مع أنفسنا.

أي توقع للحصول على شيء من التأمل يؤخر الحصول عليه. غرّدها

تنشأ راحة البال مع تعميق الوعي بما هو موجود. عندما نجلس في وضع تأمل دون توقع، يتلاشى الصراع الداخلي للعقل. لا يوجد “وقود” يضاف إلى الذهن عندما لا نتوقع الحصول على شيء. الاسترخاء دون توقع يضمن بقاء العقل وسط الهدوء.

خلاصة القول

على الرغم من أننا قد نرتكب بعضًا من أخطاء التأمل الخمسة هذه أو كلها، ستستمر الحياة في استخدام معاناتنا كطريقة لإعادتنا إلى ممارستنا الروحية والعودة إلى التأمل.

لا تحاول تهدئة عقلك. لا تحاول كثيرًا في وقت مبكر جدًا. لا تستسلم مبكرًا. لا تحاول إعادة خلق جلسة تأمل ممتعة. لا تحمل أي توقعات.

فقط اجلس واسترخي.

ترجمة -بتصرف- لتدوينة 5Meditation “Mistakes” That Increase Our Suffering

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.