كيف تتعامل مع جنون الارتياب أثناء عملك عن بعد؟

جنون الارتياب

كانت مارتينا تقيس مكتبها بخطواتها. تتسابق المخاوف في عقلها وهي تقضم أظافرها. لقد مرت ثلاث ساعات منذ أرسلت رسالة بريد إلكتروني إلى مجلس الإدارة، ولم يُجبها أحد. “لا بدّ أنهم يعتقدون عدم فهمي للاستراتيجية. بل أراهن أنهم يسخرون يسخرون مني”.

رغم اضطرابها الداخلي، لم تمتلك مارتينا سوى بضعة أدلة لإثبات مخاوفها. إذ ترقت مؤخرًا -بعد عدة مراجعات أداء مُشرّفة- إلى منصب نائبة رئيس قسمها.

ومع ذلك، وجدت مارتينا نفسها مستنزفة بجنون الارتياب: حالة خوف يسيء فيها الشخص تفسير المواقف الغامضة، ورؤية المعاني السلبية، والتهديدات المحتملة.
بعبارة أخرى، يتسبب جنون الارتياب (البارانويا-Paranoia) في تمحيص نفسك وسلوك الآخرين بشكل غير منطقي. تصبح مُفرط القلق، وتبحث عن صور الرفض أو الاستهجان مع عدم وجود دليل ملموس عليه!

يمكن أن تقودك البارانويا لملء الفراغ “في عقلك” عندما لا يرد الشخص على رسالتك، مفترضًا أن السبب سوء عملك. وعندما ينضم أحدهم إلى مشروع ما، ربما تقلق من “سرقتهم” الأضواء بدل كونهم جزء من الفريق. وربما عندما يطلب منك رئيسك في العمل عدم حضور اجتماع، فذلك -في اعتقادك- لأنه لا يؤمن بك (لا لأنه يحاول عدم تبديد وقتك بنشاطٍ غير مفيد!).

البارانويا تزداد خلال الجائحة

حتى قبل الوباء، كان العاملون عن بُعد أكثر عرضة للشعور بالإهمال وعدم الدعم. ولكن الآن، مع زيادة العزلة، وزيادة أعباء العمل، والمزيد من الضغط أكثر من أي وقت مضى، فلا عجب لماذا يستمر جنون الارتياب في الارتفاع. هذا ينطبق بشكل خاص على أصحاب الإنجازات مفرطي الحساسية (شخص ذو إنجازات عالية يتعامل مع العالم بتعمّق).

يمكن أن يتحول إدراكك الطبيعي، تحت الضغط، إلى إفراط في التفكير والشك في الذات.

على وجه التحديد، قد يكون من الصعب تفسير لغة الجسد وتعبيرات الوجه والفروق الدقيقة في التغذية الراجعة في ظل المسافات البعيدة. ويمكن أن يجعلك قضاء الوقت بمفردك في مكتبك المنزلي عالقًا ضمن أفكارك السوداوية، حيث تعيد تشغيل الحلقات الذهنية. وبدون التطمينات والإيماءات التي تجدها في بيئة مكتبية تقليدية، يسهل أن تنتشر السلبية.

بينما يحمل العمل عن بُعد عدة صعوبات، فمن الممكن جدًا انقاذ ذاتك من جنون الارتياب. فيما يلي بعض الطرق لإصابة الشك غير العقلاني في مقتل والعودة إلى أفضل ما يمكنك فعله: تحقيق النتائج.

اجعل التوقعات واضحة

لتجنب الافتراضات والتفسيرات الخاطئة، حدد التوقعات بشكل استباقي مع مديرك وزملائك وأصحاب القرار حول أسلوب الاتصال، وكيفية اتخاذ القرارات، وحتى الموضوعات الحساسة مثل كيفية التعامل مع النزاعات واختلافات الرأي.

لنفترض أنك وزميلك متفقان على موعد وكيفية تسليم بيانات المشروع. لتكتشف أنه صاحب ضمير حيّ وعاشق للتفاصيل. وبالطبع أنت تبحث عن ملاحظات دقيقة في هذه المرحلة. نظرًا لأنك عايرت -بالفعل- توقعاتك، فمن غير المرجح أن تقفز إلى الاستنتاجات وتفترض أنك قد فعلت شيئًا خاطئًا، أو أن الإدارة ترغب بالنيل منك عندما تُعيد لك المستند مع الكثير من الملاحظات.

إحدى الطرق لتوضيح التوقعات هي من خلال قائمة اتفاقيات عمل الفريق الرسمية التي تحدد المبادئ التوجيهية للتعاون الإيجابي (الرد على الرسائل في غضون 24 ساعة، والاستماع بعقل متفتح، والتحدث نيابة عن الشخص نفسه، وما إلى ذلك). هناك أداة أخرى تتمثل في إكمال “دليل المستخدم” الذي يحدد عوامل مثل ساعات عملك، وكيف تتعلم بشكل أفضل، والأشياء التي تعاني منها.

احذر من تغوّل نطاق المشروع

يمكن أن تقودك (البارانويا) إلى إرضاء الناس وإرهاق نفسك. ففي محاولة للبقاء على صلة بالمشروع، قد توافق على حضور كل اجتماع، حتى لو لم يتطلب مشاركتك. قد تجد نفسك منخرطًا بشكل مفرط في مبادرات للحفاظ على وهم السيطرة. بعد كل شيء، لا يمكن لأحد أن يستغل غيابك إذا كنت موجودًا في كل مكان. لكن هذه العقلية هي طريق مؤكد للإرهاق.

تتمثل الخطوة الأولى لعكس هذا الاتجاه في تدقيق جدولك الزمني. ابحث عن اجتماعات يمكنك إلغاؤها. ضع في اعتبارك تفويض الحضور إلى زميل متعاون يمكنه تدوين الملاحظات وتقديم تقريره إليك.

انزع الطابع الشخصي عن تصرفات الآخرين

إذا كنت من أصحاب الإنجازات شديدي الحساسية، فمن المحتمل أن تتجاوز مستويات التعاطف لديك كل الحدود، يمكن أن يكون هذا المستوى من العمق العاطفي هدية وعبئًا في آنٍ معًا. من ناحية، أنت ماهر في استشعار احتياجات الآخرين وربما يكون لديك تأثير قوي في رفع الروح المعنوية. ولكن على الجانب الآخر، قد تأخذ سلوك الآخرين بشكل شخصي للغاية. قد تخطئ في استقراء تعليق هزلي فتعتبره إهانة، على سبيل المثال.

في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك محاصرًا بجنون الارتياب، وجه قواك التعاطفية إلى الأبد. ضع نفسك مكان الشخص الآخر واسأل عما قد يؤدي إلى رد فعله. ما هو التفسير الأكثر أريحية لسلوكهم؟

استخدمت مارتينا هذه الإستراتيجية عندما بدا مديرها مستاءً من عدم إحراز تقدم في أحد المنتجات. بدلاً من الانزعاج، وضعت نفسها مكان مديرها واستكشفت ما يمكن أن يحدث أيضًا. سرعان ما أدركت أن رد فعل مديرها لم يكن بسبب ارتكاب مارتينا لخطأ أو ضعف الأداء. بدلاً من ذلك، كان ذلك بسبب أن مديرها كان منهكًا وسريع الانفعال بعد يوم عملٍ طويل.

فتت مخاوفك

بدون حدود مناسبة، يمكن أن تستنزف البارانويا ساعات عملك. في الواقع، يجد أربعة من كل خمسة موظفين صعوبة في “الانفصال عن العمل” في المساء. تؤكد هذه الإحصائية على أهمية الانفصال الذهني عن المخاوف في نهاية اليوم.

الإستراتيجية المفضلة لعملائي هي تلك التي أسميها “حقيبة الظهر”. في عين عقلك، ضع المواقف العصيبة من يومك في حقيبة ظهر خيالية تتجاهلها وتتركها في زاوية مكتبك في المنزل طوال الليل. بدلاً من ذلك، إذا كنت تفضل أن تجعل هذا التمرين ملموسًا، فقم برسم مستطيل على الورق وخربش مخاوفك. قم بتمزيق الورقة وارمها بعيدًا، واقطع الاتصال باليوم بشكل رمزي كما تفعل.

في الختام

في حين أن اليقظة والتناغم مع ما يجري في العمل يمكن أن يكون ميزة تنافسية، لكن إذا تجاوزت حدود المعقول، فقد تتحول إلى جنون ارتياب يؤدي لشلّ إنتاجيتك. بالجهد الصحيح، يمكنك إدارة عقلك بشكل أكثر فعالية، حتى وسط التحديات التي يفرضها العمل عن بُعد.

مُترجم بمُتعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.