X

المزيد من البوصلات الضائعة

لا أعلم من أين أبدأ، ولا أعلم من أين أنتهي، كل ما أفكر فيه هو: أنا لست على ما يُرام!

حاولت في التدوينة الماضية أن أتحدث بشفافية عميقة، قطعت قراءتي لتدوينة قصاصات لألتقط الأفكار التي ولّدتها داخلي، لكنني لم أنجح.. فلا زال يُسيطر عليّ إحساس بالاستحقاق.

تحدثت في تدوينة أخرى عن حاجتي للمال، لمّحت وصرّحت بذلك، انتظرت كمتسوّل.. ثم كعفيف نفس، لأُدرك في النهاية أنني عالق بين الحالتين، بين الأمل والرجاء (والذين لا أملك تعريفًا واضحًا لهما).

أرغب بأن أتحدث عن قلقي، بأناقة منال هنا، لكن بركان أفكاري ينثر حِممه في كل أرجاء حياتي.

نصحني محمود بالعودة إلى الرياضة، كرهت اعترافي بأنني لا أرغب بذلك، على الأقل في الوقت الحالي. حتى وإن عنى ذلك نهاية مأساتي (مأساة؟ تبدو كلمة ضخمة صادرة عن مراهق). لا يمكنني المراهنة على شيء، لا يمكنني العودة إلى نقطة الصفر الآن.. أبدًا. التفسير الوحيد هو أن عدوي هو الغرور (تمامًا كما قالت الطالبة).

لا أحاول التحدث عن أحد، بل حسبي أن أتحدث عن نفسي، أنا المتمحور حول ذاتي، المؤمن باستحقاقي حياةً أفضل، وعائلةً مُحبة أكثر. أفرّغ غضبي داخلي، لا.. لا أعكسه.. بل أفرّغه وهذا أسوء.

الفرق بينهما كالفرق بين أن ترمي قنبلة في حجرة، وأن ترميها في حجرة تلتهم النيران أثاثها وأساسها.

تحدثت صاحبة قصاصات عن إعجابها بالنكات البذيئة، وذلك ما أشعرني بالضآلة أمام نفسي، كيف لا أكون شجاعًا مثلها، فأعترف بأنني كثيرًا ما أفرّغ غضبي بمن حولي، عن طريق شظايا لا طلقات مباشرة؟
(المقارنة مجددًا؟)

كان يُفترض لهذه المدونة أن تكون معرض أعمال، أنشر فيها أفضل ما لديّ، فيقف جمهوري منبهرًا ليصفّق. وها أنا -على مدار شهور- لا أتحدث سوى مع نفسي، عن نفسي، لأزيد من وحدتي.

يعجّ عقلي بالمشاريع، ومتصفحي بألسنة تبويب لمقالاتٍ يبدو أنها لن تكتمل يومًا. أجلس بملابس رثّة وجوارب مختلفة الألوان مثقوبة الكعوب (ألم أقل لكم أنني متسول؟!).

يُفترض أن تكون الكتابة علاجًا ودواءً، فلماذا تزيدني ألمًا كألمي الآن؟ لماذا أشعر بخِدر خفيف (يزداد أحيانًا) في نصفي الأيمن؟

أنا تائه.. ضائع.. ولا أستحق هذه الحياة!
مُفلس روحيًا وعقليًا، وأمورٌ أخرى لا أودّ ذكرها لألا أدخل في نوبة جلدٍ للذات.

لا أفهم لما لا أحتفظ بكلماتي السيئة هذه في مكانٍ أمين؟ بعيدًا عن أعين القراء المُشرقين؟

ربما أحتاج صديقًا، يفهمني دون أن أتحدث، يفهم تقلبات مزاجي وزلازله، يتفهم غضبي وأن (لا شيء شخصي) إلا لو قصدت شخصي أنا.

هو يومٌ جديد، بهواءٍ ثقيل، وهذا ليس كل شيء.

الطبقة الثانية من الاعترافات

في ذات الجلسة، وبعد أن أفرغت بعضًا مما يشوشني على هذه المساحة، سأحاول التحدث بعقلانية.

لديّ العديد من المشاريع، والوقت ضيّق، مهامٌ والتزامات اجتماعية مُلحة تفرض نفسها عليّ، وأحتاج لبعض المساحة مع نفسي.

تبدو الجمل السابقة متنافرة، لكنها تكاد تلخّص كل شيء.

أعمل حاليًا على مشروع ترجمة كتاب، اخترت بنفسي موعد التسليم، وتهاونت فيه حتى خرجت الأمور عن السيطرة.

الكتاب مؤلف من 300 صفحة، مُنحت 110 أيام، تبقى منهن 41 يومًا. وأنا لم أتجاوز ربع الكتاب بعد! أفكر في حلولٍ ملتوية، كأنّ أدعي أنني فقدت المسودة الأولى بسبب عطلٍ تقني، وأُطالب بناءً على ذلك بتمديد المهلة.
لا أقول أن ليس من عادتي الكذب، لكنني أُدرك مخاطره، لذا أتجنبه قدر الإمكان.

تسيطر عليّ فكرة إنشاء قناة يوتيوب (أو قناتين)، هما موجودتان بالأحرى، لكنهما بحاجة لمحتوى. والمحتوى يستهلك الكثير من الوقت، وفي ظل وجود مهمة عاجلة ومصيرية -ترجمة الكتاب- تبدو جهودي في تقديم محتوى لليوتيوب أشبه بمحاولة السفر حول العالم سباحةً.. بنَفسٍ واحد> سأغرق في مرحلةٍ ما!

أكتب، ويدور في عقلي هاجس كذبابة لعينة: سيأتي من ينصحك بتنظيم وقتك، أو أيٍ من تلك النصائح المملة.
أفكر في إغلاق التعليقات، كما يفعل أ. أحمد مشرف، لكن شعورًا بأن أحدهم يمتلك كلمة شافية يُثنيني.
لن أقول أن التفاعل يعنيني، فقد أثبتت التجارب على كيورا أن معدل الدوبامين لا يرتفع مقدار أنملة مع كل تعليقٍ أو إعجاب.. أو تفاعل اختصارًا. على العكس تمامًا! تُسيطر عليّ متلازمة المحتال، وأشتهي قول: تعالوا فأنظروا في حياتي كم هي فوضوية!

أميل للنوم كثيرًا.. كثيرًا جدًا.. ومتى؟ في أنسب الأوقات للكتابة والإبداع (هذا بفرض أنني لا زلت أمتلك شيئًا منه). حالة من الاستسلام لوضعي تعتريني، أنهض كل يومٍ بامل جديد، لكن ما إن يقع ناظري على قائمة مهامي، حتى ابتئس.

أحتاج للراحة، لاستراحة، لإعادة ضبطٍ للمصنع. أحتاج بداية جديدة ومبكرة، لا يمكنني التعامل مع الواقع كما هو. رغم ذلك، لا يبدو ليّ قرار الهرب بالانتحار ناجعًا!

أدخّن كثيرًا، وأودّ الإقلاع عن الأمر، لكنني استمتع به دون لذّة حقيقية.

أخشى الموت، لكنني أشتهيه.

لا أتناول طعامًا، لا صحيًا ولا غيره، وإنما أكتفي بملئ معدتي بما يُقيم صلبي.

أستيقظ كل يوم، في ذات الموعد، بعد 4 ساعات من النوم المتقطع. أتفقد بريدي الإلكتروني وصفحات التواصل الاجتماعي، بحثًا عن الكلمة الطيبة.. والتي أعلم أن اثرها لن يدوم طويلًا.
لم يعد يعنيني العالم، ولا مشاكله، ولم أعد مهتمًا بأن أكون أشهر روائي عربي في عام 2025.

أفكر في استخدام صورة بارزة صادمة، لألفت الأنظار إلى كلماتي، ثم أتذكر أن هناك مدوِنات بيننا، ولا يصحّ أن أستخدم -بصفاقة- كليك بيت كهذه!

أبدو منفصم الشخصية، ولا أعلم إن كنت كذلك، أنام 4 ساعاتٍ خلال الليل، لكنني أنام مثلهنّ وسط النهار كقيلولة. الجملة السابقة تبريرية احترازية من اتهام بعضكم ليّ بالكذب والتناقض (رغم اعترافي بالأخير).

كوب شاي؟ حسنًا!

الطبقة الثالثة من الاعترافات

تفضّل

يبدو أنني صدّعت رأسك. أعتذر.. لكن -للتذكير فقط- أنت من أتيت لتقرأني، صحيح؟
فلا تثريب عليّ إذًا.

ماذا لو كان لديّ مصباحٌ سحري؟

لا أُحب هذا النوع من الأماني غير الواقعية، لكن بما أن الواقع لا يُعجبني، فلا بأس من الالتجاء للخيال، أليس كذلك؟

لو كان لديّ ذاك المصباح، لطلبت من مارده أن يجعلني طفلًا لأبوين غير عربيين.

إذًا، فهو سخطٌ على والديك، واعتبارهما شمّاعة لأخطائك وحالك المُزري؟!

حسنًا، ليس تمامًا. هو سخطٌ على المجتمع ككل، سخطٌ على وضع أُضطر فيه لدفع 12% مما أجنيه رسومًا وعمولات. سخطٌ على مجتمع يتخذ الدين سيفًا ودرعًا وحربة.. وحلًا سحريًا -وما هو بسحري- لأي مشكلة تصادفه. والأصح أن أدعوه مخدرًا نحقنه في أوردتنا وأوردة من نُحب.

أهااا، إذًا.. فأنت ساخطٌ على الدين؟

مجددًا لا!
لم يكن الدين مشكلة في حياتي ولا حيوات من سبقني، مشكلتي فقط أنني كلما عبّرت عن أزمة نفسية/عاطفية/وجودية أمرّ بها، نُصحت بالصلاة وقراءة القرآن. وأنا أكره هذا “التعليب والتسليع” للدين.
أكره أن يكون الناصح أحق بالنصيحة وتطبيقها. أكره ذاك التهرّب من الاستماع الذي عانيته لسنواتٍ لا أدرِ عددها: 15؟20؟10؟ لا أعلم!

أحتاج حلًا حقيقيًا يا قوم! حلًا ملموسًا .. ماديًا، أحتاج أن أخاطب شخصًا فيردّ عليّ. أن أسمع صوتًا.. تلمس قلبي يدّ.

أحتاج لأن أصرخ.. فلا تُصمّ الآذان عنيّ.. أن أبكي فلا يُنظر نحوي بشفقةٍ أو.. استهجان!

فلا الدين حل، ولا الرياضة، ولا البحث عن إنجازاتٍ لعينة أحاول تحقيقها!

ربما، والله أعلم، أحتاج طبيبًا نفسيًا.. أو ربما حانوتيًا.

انشر الفائدة