نقاش عشوائي عن التبسيط والمتعة

حين أُطلق دورة عن فن التدوين، فمتأكد أن أول نصيحة سأُسديها هي: اختر العنوان قبل المتن!
هذا يُناقض النصيحة الرائجة بالطبع، لكن من منطلق خبرتي القصيرة (للغاية) أعلم أن ترك التدوينة دون عنوان يُضيّع كثيرًا من أفكارها، ومحاولة اختصار أفكار التدوينة -بعد كتابتها- في عنوان من بضعة كلمات.. عملية شاقّة للغاية.

التبسيط الإجباري

هو عنوان لإحدى تدوينات أ. عبدالله المهيري، ورغم كوني كتبت عن التبسيط سابقًا. إلا أن إلحاق كلمة “إجباري” به دفعني لمعاودة الكتابة كما ترون.

تناول أ. المهيري في تدوينته فئة (المُعدمين) في بلدان الشرق الأقصى. هم أشخاص يفصلهم عن خط الفقر أميال، ومع ذلك، وكما يُقال، طريق الألف ميل يبدأ بخطوة. هذا يعني أنهم -بطريقة ما- يمكنهم تجاوز ذاك الخط. حينها، سيتمكنون من الالتحاق بمركب (الحياة العادية)، صحيح؟

إنما ماذا لو كنا نتحدث عن تبسيط إجباري من الحكومة، كما يحدث هنا في سوريا! ولِمن لا يعلم الظروف المعيشية، فسأسرد أمامكم بعض المقتطفات:

بالنسبة للخدمات الأساسية (ماء -كهرباء – وقود)، فهي متوفرة.. إنما لمن يدفع أكثر. أما إن كنت من الأغلبية الساحقة للشعب (ونحن نتحدث هنا عن 95%)، فستكون مُضطرًا للقبول بظروف غريبة كأسلوب حياة: شراء وقود التدفئة بـ 5X ثمنه الآن (أو) انتظار فصل الصيف لشراء وقود التدفئة للعام القادم – شراء (مولّدة كهرباء إلكترونية) بـ 800$ علمًا أن الحد الأقصى للأجور هو 40$ (أو) الرضوخ لساعات التقنين التي قد تصل إلى 18 ساعة يوميًا – شراء الخبز بـ 5X ثمنه (أو) أخذ إجازة من عملك للاصطفاف على الطابور أمام الأفران.. وهلم جرًا.

لا أعلم إن كان بمقدورنا أن ندعو ذلك: تبسيطًا أو تخففًا.. اختياريًا أم إجباريًا.

المتعة

هل فعلاً أن الإكثار من المتعة هو الطريق المختصر نحو التعاسة؟

سؤال بريء يطرحه المترجم ماهر رزق في مقالته: عن مجتمعات المتعة، فلما لا نحاول الإجابة عليه؟

لا أفهم لماذا يُنظر للمتعة على أنها (عيب) ولمحاولة الوصول إليها على أنها (جريمة)!
أظن أن الإجابة تتخلص في النظرة الأحادية للحياة: جهد – متعة. أو بعبارة أدقّ: الإيمان بمقولة (الإنسان يتحرك وفق دافعي الألم والمتعة).
لكن، هل الإنسان -فعلًا- عاجز عن مزج الألم بالمتعة في حياته اليومية؟
بالطبع لا! حين نرى شخصًا مثل (إيلون ماسك) ينام لـ 4 ساعات فحسب. و (توماس أديسون) يتقبل سخرية المجتمع على اختراعه “المصباح الكهربائي”، فهل يمكن أن نقول أنهم لا يتعرضون للألم؟ أشك في ذلك.. لكن الواقع يقول أن استمتاعهم ينبع من الألم بحد ذاته.
ليست هناك مفاضلة بين الأمرين، الألم طريق على الإنسان السير فيه حتى يصل إلى متعته. المشكلة تبدأ حين نحاول الفصل. وهو ما وصفه صديقنا ماهر بقوله:

 كلنا نحاول أن ننتهي من الضروري بسرعة لننتقل إلى عملية البحث الطويلة والمستمرة من الصباح حتى المساء وكل يوم عن المتعة!

لماذا كان الألم-الضروري مفصولًا عن المتعة هنا؟ ألا يجب أن تكون الواجبات (مثل: العمل – رعاية الأطفال .. إلخ) جزءًا ممتعًا من الحياة؟

مثال شخصي

كما هو معلوم، فأنا أعمل كمدون ومترجم مستقل، واخترت طريقة العمل هذه لعدة اعتبارات، لكن أهمّها: أن أكون قريبًا من عائلتي.
الألم هنا يمتزج بالمتعة: ففي حين لا أستطيع العمل وسط صخب الأطفال (خاصةً بعد عودتي إلى سوريا)، واضطراري للسهر -يوميًا- حتى ساعات الفجر الأولى. إلا أن العملية بحدّ ذاتها .. ممتعة.
أن يكون بمقدورك ملاحظة كلماتهم الأولى وطريقة تعاملهم مع الحياة في ذات الآن الذي “تقاوم” لكتابة تدوينة أو إجابة على كورا. ذاك في حدّ ذاته إنجاز تفخر به.

لو اعتمدت مبدأ (الألم ≠ المتعة)، لانتظرت يوميًا خلودهم إلى النوم لأبدأ العمل. صحيح؟
انتظار انتهاء الألم لتبدأ المتعة. هذا يعطّل “حرفيًا” جزءً من حياتك.

لا أقول أنه مُحرّم عليك الاحتفاظ بساعة لنفسك كل حين، فذلك ضروري لتوازنك الداخلي. ما أحاول قوله: امحُ الخط الفاصل بين المتعة والألم في حياتك.

مثال لا أتفق معه عن المتعة

“المسرّات/المباهج الصغيرة”

هي جزء من حياة الزميلتين: أمجاد و مها البشر

حيث تحاول كلتاهما (اقتطاع) بعض اللحظات من حياتهما لممارسة نشاط مُحبب. إذن، لدينا هنا (حياة كاملة) تُسترق منها لحظات.. دقائق.. ساعات لممارسة الحياة.
لكن ماذا لو وضعنا الشخص ضمن الظروف الحالية في بلدي سوريا: انقطاع الكهرباء معظم اليوم – بحث عن الأساسيات بـ “فلاش الموبايل”. كيف ستتغير نظرتنا نحو الحياة؟

سأُجيبك.
ينقسم الأشخاص في تعاملهم إلى نوعين:

1)) همّ/هنّ: المؤمنون بأن اليوم عبارة عن محطات ما بين شقاء و سعادة. فتنطفئ بهجتهم بانقطاع التيار الكهربائي، ويتذمرون من الملل والروتين، ويفكرون في السفر وخوض غمار تجارب جديدة.

2)) نحن/أنا: المؤمنون بأن الحياة بأسرها مزيّج مكوّن لقطعة فريدة تُدعى (الشقاء السعيد). متخذين من كل لحظة فرصة لاختبار الحياة [كما هي].

وأخيرًا

طاقة بطارية حاسوبي على وشك النفاد. ألقاكم قريبًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.