الأشخاص الناجحون ليسوا الأذكى بالضرورة!

تخيّل معي ما يلي:

عليك أن تلعب مباراة شطرنج، معصوب العينين، ما هي إحتمالات فوزك؟

حسنًا! في مؤتمر Sohn لعام 2015، قام (ماغنوس كارلسن – Magnus Carlsen) وهو أفضل لاعب شطرنج في التاريخ بتحدي (3) لاعبين -في آنٍ واحد- وهو معصوب العينين، وبينما كان كارلسن يؤدي نقلاته (مع 60 ألف حركة ممكنة في عقله)، كان خصومه يتخبطون أمامه!

والنتيجة؟
فاز على اللاعب الأول بـ”كش ملك”، بينما انسحب اللاعب الثاني، في حين خسر منافسه الثالث بسبب الوقت!

والآن، لا شك أنك تسأل نفسك: كيف يمكنني أن أكون مذهلًا كـ كارلسن ضمن مجال عملي؟

اقرأ هذه التدوينة لتعرف الإجابة!

المبدأ الذي حقق لـكارلسن ما يحلم به أي شخصٍ من نجاح هو: التقسيم.
وخير من يشرح لنا هذا المبدأ هي (باربرا أوكلي-Barbara Oakley) مؤسِسة علم “تعلم كيف تتعلم” حيث تقول:

لديّ قناعة تتعاظم يومًا بعد يوم بأن (التقسيم) هي أمّ كل أساليب التعليم، فإنشاء أنماط عصبية على شكل “جزئيات” يساهم في تطوير الخبرات على كافة الأصعدة.

 

يتعلم الخبراء -مثل كارلسن- كيفية تسخير هذا المبدأ عبر آلاف الساعات من التدريب.

وسنستعرض فيما يلي الأسباب التي تجعل من “التقسيم” أحد الأساليب الأكثر أهمية في جعلك خبيرًا عالميًا ضمن مجالك.

كيف يحدث “التقسيم”؟

هل تذكر المرة الأولى التي تعلمت فيها القراءة؟
ربما لم تكن مدركًا لما فعلته حينها، لكنك كنت تطبّق هذا المبدأ!

المرحلة الأولى هي إدراكك أن هذه (الأشكال الغريبة) تسمى “أحرف“، لذا فقد طورت مفهومًا بأن جمعت تلك الأشكال ضمن تصنيف (الأحرف).

تلا ذلك، تعلّمك بأنه يمكن لجمع الأحرف سويّة منحنا مفهومًا جديدًا وهو (الكلمات).

ثم، الكلمات شكّلت (عبارات) فـ(جُمل) وأخيرًا … {قصص}.

يا للروعة! أنت الآن قادر على القراءة.
بدأت الأمر بتعرفك أن للأشكال الغريبة (الأحرف) أصواتًا تميّزها وتعبّر عنها، ووصلت إلى تكوين نظام قادك في النهاية إلى تشكيل جُمل مكّنتك من القراءة.

كلما بنيت “قطعًا” جديدة من أخرى قديمة، وجدت نفسك تكتسب قدرات جديدة،
والسبب الذي لا يجعل من (القراءة) مهارة سحرية، هو أن أغلب الناس يتقنها.
على صعيدٍ آخر، يتبع الصفوة في أي مجال نفس العملية، لكنهم يركزون فقط على مجالات الخبرة التي لا يُتقنها سوى قلّة من الناس. وهم يقضون المزيد من الوقت في عملية الإتقان.

 

كيف أتقن (ماغنوس كارلسن -Magnus Carlsen ) عملية التقسيم/التقطيع؟

بالطبع فهو لا يحفظ مكان كل قطعة على حدة (فهذا يعني حفظ ملايين الاحتمالات)، بل يستخدم القدرة التي نتمتع بها جميًعا: التقسيم واستخدام الجزئيات الأكبر، وهذا بفضل سنوات من ممارسة اللعبة .. وتطبيق عملية التقسيم مرارًا وتكرارًا.

  • فهو حفظ عشرات الآلاف من (القطع) المعقدة: وهو رقم كبير، لكن يمكن حفظه!

  • ثم طوّر مهارة الوصول إلى تلك (القطع) في عقله بشكل سريع وبالاعتماد على حدّسه.

هذا ما يفسر قدرته على أداء النقلات السريعة، في الوقت الذي يحاول فيه خصومه التفكير في الحركة المقبلة.

تم اكتشاف طريقة التقسيم ﻷول مرة بفضل دراسة أجراها باحثون من جامعة landmark.
حيث قام الباحثون بوضع لوحات شطرنج أمام فريقين (أحدهام لمبتدئين في اللعبة – والثاني لخبراء فيها).
ألواح الشطرنج احتوت على أحجار موضوعة بشكل معين، وطُلب من كلا الفريقين حفظ مواقع الأحجار خلال بضعة ثوانٍ، ثم طُلب منهم -بعد إزالة الأخيرة- أن يُعيدوا وضعها من جديد.

وتم إجراء تجربتين:
في الأولى: كانت الأحجار من مباراة حقيقية، لذا تفوّق خبراء اللعبة على المبتدئين بسهولة في إعادة ترتيب الأحجار.
بينما في التجربة الثانية: رُتبت الأحجار بشكل عشوائي بطريقة يستحيل أن تحدث ضمن مباراة حقيقية. وهنا حدثت المفاجأة! فقد خبراء اللعبة القدرة على استخدام “تقسيماتهم المحفوظة”.

تم تكرار التجربة مع بطل العالم (باتريك وولف -Patrick Wolff)، ونُشر المقطع على اليوتيوب.
في التجربة مع وضع “المباراة الحقيقية” كان الأمر أشبه بالمُعجزة: فقد تمكن باتريك وولف من إعادة جميع الأحجار إلى أماكنها الصحيحة (عدا حجرين وضعا بفارق مربع واحد فقط عن مكانيهما الصحيحين!)
أما في الوضع العشوائي…
تأمل ما حدث في الصورة التالية:

لاحظ أيضًا كيف يصف “وولف” شعوره المتعلق بعملية “التقسيم”، فهو لا يصفها بالصعبة بل بأنها تلقائية. وهذه هي السمة المميزة للبراعة!

وقد فسرّ لنا بطل الشطرنج (Josh Waitzkin – جوش وايتزكين) العملية في كتابه “The Art Of Learning”، وإليك مقتطف من الكتاب:

{.. مع مرور الوقت، تقوم أدمغتنا بدمج المزيد والمزيد من المبادئ، وتحويلها لتصبح تلقائية حتى نتوقف عن التفكير فيها و نبدأ بعيشها}

ثم يتابع في فقرة أخرى:

{لا يفكر عازف البيانو/الكمان المحترف في “النوتات” بل يقوم بالعزف بتلقائية وبشكل مثالي في أداء ينمّ عن موهبته، إن التفكير في مفتاح C أثناء عزف السيمفونية الخامسة لبيتهوفن سيؤدي لفقدان الإنسيابية}

لماذا يستغرق “الإتقان” وقتًا طويلًا؟

إن معرفتنا بمبدأ “القسمة” هو أمر مبهج ومُحزن في آنٍ معًا!

مُبهج ﻷننا نعلم عن طريقه أننا قادرون على تطوير قوى خارقة في مجال عملنا عن طريق الالتزام، وبتركيز مجهودنا في كل مرة، سنصبح خبراء بمرور الوقت.

لكنه محزن أيضًا ﻷنه يُبين لنا لما يُعتبر بناء خبرة على مستوى عالمي عملية تستغرق آلاف الساعات من الممارسة.

لبناء مهارة عن طريق التقسيم، يجب علينا:

  1. استيعاب “القطع” منفردة

  2. استيعاب آلية ربط القطع وفق المفهوم الجديد

  3. الممارسة باستخدام المفهوم إلى أن تنتقل العملية من إطار الوعي إلى اللاوعي.

بالطبع يمتلك البعض القدرة على التعلّم وفق عملية “التقسيم” بسرعة أكبر من غيرهم، لكن الاستعجال يجعل بناءنا للمفهوم الجديد أضعف!

كيف يمكننا تبنيّ مفهوم “التقسيم”  في حياتنا اليومية باستخدام مبدأ (الـ 5ساعات)؟

 

تكريس الوقت لعملية (التقسيم) ليس صعبًا كما يبدو، ببساطة يمكنك تخصيص ساعة يوميًا للتعلم المتعمد وهو ما يُدعى مبدأ الساعات الخمس.

ربما لن نصل إلى اداء إعجازي كأداء كارلسون، لكن بإتباع مبدأ الـ 5ساعات، سنغدو قادرين على مراقبة أداءنا وهو يتحسن يومًا بعد يوم. وقد نصل في أحد الأيام لنصبح أحد النخبة في مجال عملنا. وهو إحتمال شبه مؤكد.

اقرأ أيضًا:: ما هو السرّ المشترك بين أغنى الأشخاص في العالم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.