هل بمقدور الكتابة شفاءنا من صدماتنا النفسية؟

العلاج بالكتابة

حتى بعد تلقينا اللقاح ونجاتنا -على ما يبدو- من الوباء، لكننا لا زلنا -من الناحية النفسية- نختبر آثاره كل يوم. نحن مدينون لأنفسنا -ولزملائنا في العمل- بفرصة إفساح المجال لمعالجة الصدمة الفردية والجماعية. تؤكد مقالة افتتاحية نشرتها صحيفة نيويورك تايمز صنداي ريفيو “New York Times Sunday Review” ما شاهدته، ككاتبة ومدرّبة، مرارًا وتكرارًا عن قرب: تستطيع الكتابة التعبيرية شفائنا.

باستطاعة نوع محدد من الكتابة التفصيلية والموجهة أن تعيننا ليس فقط على تجاوز ما مررنا به ورسم تصورنا للمستقبل؛ بل وتساهم أيضًا في علاج ضغط دمنا المرتفع، وتعزيز جهاز المناعة، ورفع مستوى الشعور برغد العيش (well-being). يمكن أن تؤدي الكتابة التعبيرية (Expressive Writing) إلى تقليل مستويات التوتر والقلق والاكتئاب؛ إضافة إلى تحسين نومنا وأدائنا الوظيفي؛ وتحقيق المزيد من التركيز وجلاء التفكير.

وُثّقت تأثيرات الكتابة كأداة للتشافي على نحوٍ جيد. حيث درس (جيمس بينيباكر-James Pennebaker) ، عالم النفس الاجتماعي بجامعة تكساس في أوستن، تأثير نوع معين من الكتابة على الصحة النفسية عام 1986. ومنذئذٍ، أثبتت أكثر من 200 دراسة بحثية قدرة “الكتابة الانفعالية-Emotional Writing” على تحسين الصحتين الجسدية والنفسية للأشخاص. في الدراسات التقليدية، قلّت زيارة الأشخاص -ممن كتبوا عن اضطراباتهم الشخصية لمدة 15 دقيقة يوميًا وعلى مدار 3-4 أيام- الأطباء بسبب مخاوف صحية بل وتحدثوا عن تحسن حالتهم النفسية. وفقًا لدراسة أجريت عام 2019، زاد المداخلة الكتابية “Writing intervention” لمدة 6 أسابيع من القدرة على التكيّف وقلل من أعراض الاكتئاب والإجهاد الملحوظ واجترار الماضي بين أولئك الذين أبلغوا عن صدمة نفسية خلال العام الذي يسبقه. أنهى 35% من المشاركين الذين بدأوا البرنامج باحتمالية إصابتهم بما يُسمى (الاكتئاب السريري) التجربة دون أن يُعانوا منه.

لماذا تُجدي المداخلة الكتابية “Writing intervention” نفعًا؟

للوهلة الأولى، قد يبدو من غير المنطقي أن تحمل الكتابة عن التجارب السلبية تأثيرًا إيجابيًا، فقد يفترض البعض أن سرد قصة حدث سلبي أو قلق مستمر يحرر الموارد المعرفية (Cognitive Resources).

تشير الأبحاث إلى أن الصدمة تدمر أنسجة المخ، ولكن عندما يترجم الناس تجربتهم الشعورية إلى كلمات، فهم يغيرون طريقة تنظيمها في الدماغ. غرّدها

هذا مهم على الصعيدين الشخصي والمهني. في لحظة لا تزال تتخللها ضغوطات وخسارات كارثية، نحتاج إلى استقطاب جميع أشكال الدعم الممكنة. يوثق باحثو الصحة النفسية أنواع الضغوطات النفسية الملحوظة بين الموظفين على اختلاف رُتبهم داخل الشركات وعبر مختلف المجالات، وكان القلق المتزايد والاكتئاب الأكثر انتشارًا. ازداد الاكتئاب بين البالغين ثلاثة أضعاف منذ ظهور الوباء.

في مواجهة الركود والتفاوتات العرقية والاقتصادية، يشعر البعض “بافتقاد الحافز للتحدث بصراحة وصدق عن ضغوطهم وإحباطهم” بدافع الخوف أو التذنيب. وفقًا لآشلي ويلانز (Ashley Whillans)، عالمة النفس السلوكي في كلية هارفارد للأعمال التي استطلعت مؤخرًا آراء 44,000 مستقل في 44 ولاية أمريكية وعلى نطاق 88 دولة لدراسة تأثير الوباء على المواقف والسلوكيات في مكان العمل. يتأقلم الأشخاص من خلال تبني نهج النسبية، ومقارنة أنفسهم بمن يبدو أنهم أسوأ حالًا. نعلم تنوع تأثير الفيروس جسديًا واجتماعيًا واقتصاديًا، حيث عانت المجتمعات الأفريقية والآسيوية بشكل غير متناسب وتعرضت الأمهات العاملات لدفقات مختلفة من الإجهاد والأعباء العقلية. قد لا يرغب أولئك الذين عانوا بشدة -سواء فقدوا الدخل أو فقدوا أحباءهم أو رغد عيشهم- بالتحدث عن ذلك مع زملائهم في العمل خوفًا من ألّا يتفهمهم الذين لم يواجهوا هذا المستوى من الخسارة.

ولكن ما يصعب التعبير عنه بصوت عالٍ يمكن للكتابة التعبير عنه بسهولة.

بغض النظر عن المشكلة النفسية التي نواجهها في هذ العالم المُضطرب، يعني تجنب التعامل مع ما مررنا به التقليل من شأن تأثير إحدى أكثر الأزمات العالمية عمقًا في حياتنا. يعد الشفاء ضروريًا لحيواتنا الجماعية، وقد أثبتت الكتابة التعبيرية أنها بالفعل أداة ممتازة لتعزيز رفاهية المعلمين وغيرهم من العاملين بدوام كامل. وفقًا لمسودة دراسة أجراها الباحثون (إميلي راوند Emily Round) و(مارك ويذريل Mark Wetherell) و(فيكي إلسي Vicki Elsey) و(مايكل أ.سميث Michael A. Smith) في يوليو 2020، فإن دورة “الكتابة التعبيرية الإيجابية” تعني الكتابة تحديدًا عن التجارب الإيجابية المكثفة على مدار ثلاثة أيام متتالية، لا بهدف تقليل مستوى القلق بعد الكتابة مباشرة وإنما لإستشعار طيب العيش المرتبط بالعمل والرضا الوظيفي بعد أربعة أسابيع. يدعو الباحثون إلى مزيد من العمل حول تأثيرات الكتابة التعبيرية على النتائج التنظيمية، مما يشير إلى أن الكتابة قد تعزز جودة العمل والإبداع في مكان العمل.

كتبت (لويز ديسالفو – Louise DeSalvo) في كتابها “الكتابة كطريقة للشفاء: كيف تُغير رواية قصصنا حياتنا “Writing as a Way of Healing: How Telling Our Stories Transforms Our Lives“:

“الإبداع هو رد فعل بشري فطري للصدمات ونظام دفاع طبيعي للطوارئ”

يجدر القول أن شهرة الكتاب جاءت لاعتماده على عدد لا يحصى من الدراسات العلمية حول فعالية استخدام الكتابة كأداة شافية. إذن، كيف يمكنك تطبيق هذه الأداة القوية عمليًا؟

الكتابة للتشافي

تُعرف الكتابة التعبيرية بشكل موسع على أنها الكتابة التي تساعدنا على فهم أفكارنا وعواطفنا. يعرف الكتاب المحترفون هذا بفطرتهم. كتبت (جوان ديديون Joan Didion):

“لا أعرف ما أفكر به إلى أن أراه مدونًا أمامي”.

يمكن أن تتخذ الكتابة التعبيرية أشكالًا لا حصر لها، بما في ذلك اليوميات والمذكرات والشعر وحتى مقالات الرأي أو الأفكار. لكن ما تكتبه أهمّ من الكيفية.
يجب أن تتبع الكتابة العلاجية الأفضل تأثيرًا، وفقًا للباحثين، مجموعة من المعايير الإبداعية. والأهم من ذلك، لا بدّ أن مُخصصة لأجلك؛ بحيث تتضمن تفاصيل محددة وحقيقية وصريحة. ولا بدّ أن يربط الكاتب المشاعر بالأحداث، تتيح هذه الطريقة للشخص أن يروي قصة كاملة ومعقدة ومتماسكة ببداية ووسط ونهاية.
على مستوى السرد، ينقل هذا النمط من الكتابة الشخص من ضحية إلى شيء أكثر قوة: راوي يمتلك القدرة على الملاحظة. باختصار، عندما نكتب للتعبير وفهم منطق الأحداث، فإننا نستعيد قدرًا من التأثير على حياتنا.

تقول ديسالفو: “الفرق بين الضحية والناجي هو في إضفاء معنى على الصدمة”. بعد الهولوكوست، على سبيل المثال، كتب العديد من الناجين روايات عن تجاربهم.

نُشر الكتاب الأشهر للطبيب النفسي فيكتور فرانكل (Victor Frankl)، "الإنسان يبحث عن معنى-Man’s Search for Meaning"والذي ألّفه عام 1946 على مدى تسعة أيام، في الأصل تحت عنوان "عالم نفسي يختبر معسكر الاعتقال". غرّدها

يمكن أن يساعدنا هذا النوع من الكتابة التأملية -والمؤثرة جدًا- في استرجاع رباطة جأشنا بعد المواقف الصعبة التي تفوق التصور.

عند كتابة قصصنا، نحتفظ بالأصالة طوال حياتنا.

3 ممارسات لاختبار تجربة الكتابة التعبيرية كأداة للاستشفاء

لا تتردد

هذه الكتابة موجهة إليك أولًا وأخيرًا. لذا، حريٌ بك ألّا تقلق بشأن القواعد النحوية أو الإملائية، أو حيال ما قد يعتقده أي شخص آخر أو فيما إذا كانت الصياغة جيدة أو لطيفة. اضبط المؤقت لـ 10 دقائق، واستمر حتى نهايتها، اتبع أسلوب “الكتابة الحرة” كاستجابة على حافز محدد. على سبيل المثال: دون المبالغة في التفكير، اكتب الكلمات والملاحظات والعبارات والجمل، بأي صورة وردت إلى دماغك عندما تفكر في اللحظات الدرامية من تجربتك أثناء الوباء، اللحظات التي احتفظت بها ذاكرتك، سواء أكانت ممتعة أو مؤلمة. إذا نفدت الكلمات داخلك،فأكتب ذلك (“ليس لديّ ما أقوله”) حتى تخطر ببالك فكرة جديدة.
إليك عينة من دفتر ملاحظات احتفظت به خلال الأسابيع الأولى من الحظر الصحي، بدون تعديل:

كان الاجتماع الأخير الذي حضرته مع مجموعة كبيرة من الأشخاص قبل الحظر عبارة عن ورشة كتابة في 12 مارس 2020. كانت الغرفة مُصابة بالدوار (هل ثمّة غرفة تُصاب بالدوار؟) والترقب. كنا نتلوى في مقاعدنا المتباعدة ونتناول وجبات خفيفة من عبوة واحدة (ألواح حبوب الإفطار الطبيعية من ماركة Nature Valley إضافةً إلى الدونات”Donuts”). تعلمنا ما يكفي لتعديل ممارساتنا اليومية. لكن لم نكن متأكدين من كيفية حماية أنفسنا من الفيروس الكاسح المتجه نحونا. وما أتذكره -عدا تلك الوجبات الخفيفة- اقتباس المدرب لأقوال كاتب آخر:

لا يوجد عمل فني فريد قادر على اغتزال الكون داخله. يكفي أن يكون مجرد منزل، ابق داخل غرفة المعيشة، أو ابنِ غرفة واحدة فقط، حتى تتمكن من التجول فيها.

من المثير للسخرية كيف احتوى منزلي الحقيقي -بعد أيام- على “كون عائلتي” لأيام لا نهائية.

لا وجود لتفاصيل تافهة؛ أو مشاعر يستحيل وصفها

تنصحنا (جينا ديبونيو Gina DiPonio)، التي عملت سابقًا مديرة البرامج في UChicago Writer’s Studio، بالتعمق في التفاصيل.

“لتصل إلى المشاعر وصدق تجربتك، دع عقلك يصل إلى اللحظات التفصيلية والمسهبة. تكمن القوة في التفاصيل لأنها تجعل ما حدث حقيقيًا بالنسبة لنا. يمكنك إدراك ما حدث بالفعل عند العودة إلى تلك اللحظات الصغيرة والتفاصيل الدقيقة، التي تجعلك جزءًا من التجربة. ربما تجد أن أصغر التفاصيل تبرز أكبر حقيقة/شعور. افسح المجال لكل ذلك، والتقط تجربتك بإتساعها وعمقها”

تطبيق عملي: فتّش عن شيء واحد في منزلك يرمز للوباء من وجهة نظرك. تأمله بالألوان الكاملة. اشعر بثقله. استخدم كل حواسك. الآن، اكتب عن هذا الشيء وانظر لأي مدى يمكن لمعناه أن يتضخم .

إليك عينة من هذه التقنية، مأخوذة من مقال كتبته ديبونيو شخصيًا:

أقف قبالة الحوض.. ثانيةً. اغسل الخضار ثم الأطباق. أملئ الأواني. واغسل يديّ مرارًا.. وتكرارًا!
كل هذه الوجبات يوميًا. كل هذه الأطباق. لقد وصل الأمر لدرجة أن رؤية الحوض فارغًا يخدر عقلي. وليس هناك نهاية لهذا الوباء في الأفق. وها أنا أغسل المزيد..

الوصول إلى الإلهام

كما تغيّر العالم حولنا، فقد تغيرنا نحن أيضًا. ربما نكون قد عرفنا أي الأمور هو الأهم، وأيها بخلاف ذلك. ربما تعلمنا عن أنفسنا. ستصل لتلك الدروس أثناء الكتابة. البشر كائنات تخلق المعنى، والكتابة سبيل طبيعي للوصول إلى هناك. تلميحة: ما الشيء الوحيد الذي تعرفه الآن ولم تكن تعرفه قبل الوباء؟ كيف تعرفت إليه ومتى؟
تجد أدناه مثالًا من (ليزا فينتورا-Lisa Ventura)، إحدى طالباتي في ورشتي للكتابة غير الروائية Voice the Pandemic، وهو اقتباس من مقالة نشرتها في مجلة سلايت – Slate:

مع استمرار الوباء، وعلى ما يبدو إلى أجل غير مسمى، درّبت نفسي كل يوم لأكون أكثر تعاطفًا. بقدر ما أريد التمسك بضغيني بسبب عيوب والدي، فأنا أعلم أيضًا أن كوفيد-19 يمكن أن يأخذه أو يقتنص أي شخص في أي وقت، وفي الوقت نفسه أحتاج إلى منحه النعمة أو المغفرة التي يستحقها.

السبيل الوحيد للخروج هو بالعبور

كتب الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر: “الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك”. منذ ذلك الحين، آمن المفكرون -من فرويد إلى برين براون- بفكرة أن ثمّة قوة في احتضان ضعفنا. عندما نستخدم الكتابة لكشف حقائقنا، فإننا نظل أبطالًا في حياتنا، وليس ضحايا لظروف خارجة عن إرادتنا.

اختبرت الآثار الشافية للكتابة التعبيرية لأول مرة خلال الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث كنت أعيش في منزل مساحته 60 م2 مع زوج طُرد لتوه من عمله، في ذات الوقت الذي أصبحت حاملاً بتوأم. غرّدها

حينها كتبت مقالتين (“Love in the Time of Layoff” Recession Wire) اللتين جلبتا الراحة لقلبي من خلال مساعدتي في تقبل ما كنت أعيشه. وبعد سنوات، عندما بدأت التعافي من علاجات السرطان، أتاحت لي الكتابة -على شكل طفرات- عن التجربة المروعة أن أبقى سليمة نفسيًا خلال وقت كنت فيه بلا حول ولا قوة.

في الختام

بالطبع، الكتابة التعبيرية ليست حلاً سحريًا. يحتاج الكثيرون حاليًا إلى داعم خارجي قد يتمثل في العلاج النفسي، أو تعزيز مبادرات صحة الموظفين، والمساعدات الحكومية. ومع ذلك، تظل الكتابة التعبيرية أداة سهلة الوصول وبمقدورها مساعدتنا في التعامل مع هذه الخسارة متعددة المستويات. بعض الصدمات الوبائية، وأبرزها فقدان الزملاء والأحباء والأصدقاء، لن “نتعافى” منها أبدًا. كما أن التعافي ليس الهدف دائمًا. كما يشهد العديد من كتاب المذكرات المعروفين، فإننا نكتب عن تجارب مؤلمة لا نتجاوزها بل نعبر من خلالها دون أن تدمّرنا.

2 Replies to “هل بمقدور الكتابة شفاءنا من صدماتنا النفسية؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.