مدونة م.طارق الموصللي

ما زال أمامك بعض الوقت!

لا يوجد تعبير أكثر دقة لفهم (اللاجدوى) من مقارنة جهودنا بـ “إعادة ترتيب مقاعد الاستلقاء Deckchair على السفينة تيتانيك”. فالهيكل مُهشّم، والسفينة تغرق؛ إن اهتمامنا، في مثل هذه اللحظة، بوضع المقاعد سيكون الحماقة المطلقة، وأعمق فشل ممكن في إدراك القنوط الحقيقي للوضع.

يبدو ذاك أبلغ تعبير عن حالنا اليوم. فالكثير منا يشبه، إلى حد ما، الركاب على متن سفينة منكوبة.

سفينتنا تنهار!

لقد تحطمت آمالنا الأكبر في الحياة بشكل قاتل: نرى الآن أن حياتنا المهنية لن تزدهر على الإطلاق؛ ستكون علاقاتنا دائمًا عرضة للخطر؛ لقد تجاوزنا ذروتنا على مستوى المظهر.
ستقع أجسادنا فريسة لأمراض مهينة أكثر من أي وقت مضى؛ المجتمع لن يعالج مشاكله. يبدو التقدم السياسي الكبير بعيد المنال. يمكن أن نشعر كما لو أن محاولة تحسين حالتنا، ناهيك عن البحث عن المتعة والإلهاء، هي إهانة للحقائق. حدسنا جنائزي وكئيب مثل نهايتنا الحتمية.

لكن هل حالنا أفضل من رُكاب تيتانيك؟

نعم! إذ نجد عنصرًا حاسمًا يميز مأزقنا عن مأزق ركاب (آر إم إس تيتانيك) الذين فقدوا حياتهم في الساعات الأولى من 15/4/1912: الوقت. ففي حين لم يحظوا بأكثر من ساعتين ونيف ما بين اللحظة التي شعروا فيها بقشعريرة مشؤومة نتيجة الاصطدام واللحظة التي تحطمت فيها السفينة -التي كانت مهيبة ذات يوم- وغرقت في شمال المحيط الأطلسي. نجدنا في طريقنا إلى الغرق أيضًا، ولكن أبطئ بكثير. يبدو الأمر كما لو أن القبطان أتاح معرفة كون الهيكل قد اُخترق، وعدم وجود قوارب نجاة مما يعني انعدام أي فرصة للوصول إلى الميناء، لكنه ختم أخباره الكارثية ببُشرى: من المحتمل أن يستغرق الأمر عقودًا عديدة قبل أن تبتلعنا الأمواج فعليًا.

لذلك، وعلى الرغم من أنه يستحيل إنقاذنا، فلا يزال لدينا خيارات حول كيفية استخدام الوقت المتبقي لدينا. نحن متورطون في كارثة، ولكن هناك طرق أفضل/أسوأ لاستغلال الأيام. وفي ظل ظروفٍ كهذه، لم يعد بذل الجهد والتفكير في “إعادة ترتيب مقاعد الاستلقاء” أمرًا سخيفًا على الإطلاق، بل يبدو خطوة منطقية للغاية؛ فربما لم يتبقى هدفٌ أسمى.

عندما تغدو آمالنا الكبيرة مستحيلة، يتعين علينا ابتكار خيارات أقل، ولكنها لا تزال حقيقية، للوقت المتبقي. ويتحول بقائنا مبتهجين ومتفاعلين، رغم كل شيء، لمهمة عظمى. إذا كنا على متن سفينة فاخرة غارقة تدريجيًا في أوائل القرن العشرين، فقد نسعى جاهدين كل مساء لارتداء بذلة رسمية والرقص الفوكستروت “The Foxtrot” على أنغام String Quintet لـفرانز شوبرت أو غناء أغنية مبهجة أو الجلوس مقصورة الدرجة الثانية؛ حيث يلتف مزيج من الطحالب البحرية والانقاض حول كاحلينا.. طوال الوقت، أو قد نبحث عن أفضل مكان نضع فيه مقعدنا -القابل للطي- لنتمكن من مشاهدة الطيور البحرية وهي تتحرك في السماء أو الحصول على بعض الخصوصية من أجل محادثة عميقة كاشفة لخفايا الروح مع صديق جديد، مرورًا بسماع صوت تحطم الأواني الفخارية -في مكان ما- في مطبخ بالأسفل. قد نجرب لعبتنا Quoits الأولى على سطح مائل قليلاً أو ننخرط -على عكس عاداتنا حتى هذا الوقت- في حفلة جامحة!

بالطبع ستظل حياتنا -من منظور أكبر- كارثة شاملة، لكننا قد نجد أننا بدأنا في الاستمتاع بأنفسنا.

هذا مثال دقيق للإبداع/الابتكار الذي نحتاج تعلمه للتعامل مع حالتنا

كيف يمكننا أن نستثمر الفترة القادمة بأفعال ذات معنى رغم أن كل شيء مظلم تمامًا؟ إنه سؤال لم تهيئنا ثقافتنا له؛ إذ لقد تعلمنا التركيز على آمالنا الكبيرة، وكيف يمكننا أن نهدف لجعل كل شيء يسير على ما يرام؛ نتوق إلى زواج مُتحاب، وعمل مُرضٍ للغاية ومجزٍ يأخذ بيدنا للثراء، وسمعة ممتازة، وجسم مثالي، وتغيير اجتماعي إيجابي.

لم نكن مستعدين -حتى الآن- لنسأل أنفسنا: ماذا يتبقى عندما لم يعد الكثير متاحًا، عندما يكون الحب دائمًا صعبًا، أو نعيش واقعًا سياسيًا مشبوهًا أو معاديًا للجمهور؟

إذا كان الزواج أقل سعادة مما تخيلنا، فربما يمكننا اللجوء إلى الصداقة؛ إذا لم يمنحنا المجتمع الكرامة التي نستحقها، فربما نجد مجموعة من الزملاء المنبوذين؛ إذا تعثرت وظائفنا بشكل غير قابل للإصلاح، فربما يمكننا اللجوء إلى اهتمامات جديدة؛ إذا تبين أن التقدم السياسي يتعطل بشكل دائم وأن الأخبار تعكر دائمًا، فقد نُغرق أنفسنا في الطبيعة أو التاريخ.

نحن ننتقل إلى ما قد يرفضه مجتمعنا باعتباره (خططًا بديلة Plan-B)؛ ما تفعله عندما لا تتمكن من فعل الأشياء التي تريد فعلها حقًا.

قد يتضح أن أسباب المعيشة الثانوية (الأقل والأخف) هي -في الواقع- أكثر جوهرية مما كنا نتخيله. وبمجرد أن نتعرف عليها، قد نفكر في أنها ما توجّب أن نركز عليه طوال الوقت أصلًا.

لقد تطلب الأمر كارثة -على ما يبدو- لجعلنا ندرك الأهمية التي يجب أن نوليها لتفاصيل حياتنا البسيطة. غرّدها

إلى هنا تنتهي ترجمتي مقالة The school of life، ليبدأ عرض رأيي الشخصي.

بحسب تقرير الطبيب المسؤول عن صورة بِت سكان “PET/CT” [أشرت إليها في تدوينة سابقة]. فلم يتبقى لي الكثير من الوقت؛ ربما بضعة شهور إضافية.. أعلم بأن الطب يتطور، وسمعت عشرات القصص حول أشخاص عاشوا بعدما قال الاطباء كلمة الفصل، لكن عليّ أيضًا الأخذ بأسوء الاحتمالات. صحيح؟

المهم، هكذا تلقيت الخبر..

تنظيم فوضاي (التقنية)؛

عشرات الكتب والروايات بصيغة PDF. إنما أبقيت على مُهمها -بالنسبة لي- في الفترة الحالية، على غرار: 27 خرافة شعبية عن القراءة – ساجد العبدلي، عبد المجيد حسين تمراز / حرفة الحكاية – سارة كرم / السماح بالرحيل – ديفيد هاوكينز.

الإشارات المرجعية “Bookmarks” لمشاريع وأفكار ومقالات لن يسعفني الوقت لإنجازها/تحليلها/قراءتها.

بضعة أفلام ومسلسلات اهتممت بموضوعها ذات يوم (في المعالجة “In Treatment” كمثال).

جميع الألعاب الإلكترونية. احتفظت بـ Tzar – The Burden of the Crown (كونها تمنحني صفاءً ذهنيًا، هو كل ما أحتاجه الآن).

تنظيم فوضاي (الحقيقية):

جردت أوراقي ما بين المستندات الرسمية ومسودات لمشاريع كتابية. احتفظت بما يكفي بضعة أعداد لنشرتي البريدية

تنظيم فوضاي (الداخلية):

أعددت قائمة بأسماء أشخاص حقدت عليهم طيلة سنين -لم أكن لأتردد في قتلهم لو هُيئت ليّ الظروف المناسبة- ثم سامحتهم.
أضفت فصولًا لمسودة سيرتي الذاتية، هي بعيدة عن الكمال أو الاكتمال، غير أنني أتوسم خيرًا بخليفتي (رضوان) عساه يُتممها بُعيد رحيلي.

فكرة اقتراب الموت لذيذة.. نعم! فأنا متصالح معه تمامًا. لا زلت أذكر مواساة أختي -التي تصغرني بعامين- لقلوبنا (وقلبها) حين توفي جديّ قُبيل شهر تقريبًا:

هو لم يرتح من عذابات الشيخوخة فحسب، وإنما سيلتقي حبيبته (=جدتي التي توفت قبله بفترة قصيرة) أيضًا.

أجهل -كما يجهل العالم بأسره- ما سيحلّ بأرواحنا بعد الموت، ولا يضرّني أكانت ستلتقي في عالم البرزخ أو يوم القيامة، المهم أن اللقاء آتٍ.


كُتبت هذه الكلمات مع ارتفاع آذان الفجر، ألا يحمل ذلك رسالة؟

Exit mobile version